أما ما خفي عنا مما ذكره المؤرخون الآخرون فأكثر من ذلك .
وأما ما خفي على المؤرخون ـ من أخلاق معاوية ـ فأكثر من ذلك بكثير . وقد ظهر معاوية في الأمثلة التي ذكرناها بأبشع ما يظهر به الإنسان من الكذب ومن الانتهازية السياسية . وإلى الخطوط العامة للأوضاع التي ذكرناها ، يشير العقاد بقوله (١) :
« كل شيء في الحياة الإنسانية هين إذا هان الخلل في موازين الانسانية . وإنها لأهون من ذلك إذا جاوز الأمر الخلل إلى إنعكاس الأحكام وإنقلابها من النقيض إلى النقيض . . . فمن الناس من يحب أن تتغلب المنفعة على الحقيقة أو على الفضيلة لأنه يرجع إلى طبيعته فيشعر بحقارتها إذا غلبت مقاييس الفضائل المنزهة والحقائق الصريحة . . وإنه ليعترف بالرذيلة إذا استطاع أن يلوث الفضيلة التي يمتاز بها عليه ذوو الفضائل البينة .
وإذا لم يرجح من أخبار تلك الفترة إلا الخبر الراجح عن لعن على المنابر بأمر من معاوية لكان فيه الكفاية لإثبات ما عداه مما يتم به الترجيح بين كفتي الميزان » .
وهناك جوانب أخرى تتجلى فيها السياسة الوصولية التي سار معاوية طبقا لمتطلباتها . فلم يكتف « أمير المؤمنين » و « خليفة » رسول الله بضرب المسلمين ببعضهم بشتى الوسائل ، ومختلف المؤامرات للمحافظة على سلطانه بل حالف البيزنطيين ـ أعداء المسلمين والإسلام ـ على حساب المصلحة الإسلامية العليا . فقد عقد معاوية مع أمراء البيزنطيين سلسلة من المعاهدات الرامية إلى تثبيت قواعد ملكه على حساب الإسلام والمسلمين .
ولعل أبشع تلك المعاهدات ـ غير المتكافئة ـ تلك التي عقدها معاوية ـ بمحض اختياره ـ مع الأمير البيزنطي كونستان الثاني في عام ٣٩ هـ . فدفع معاوية ـ وفقاً لمستلزمات هذه المعاهدة ـ الجزية للأمير البيزنطي المذكور .
__________________
١ ـ معاوية بن أبي سفيان ص ١١ و ١٦ .
