يحمل إليه الهدايا والرشى كأنها جواب على طلب منه يساوم فيه على المصالحة والغدر برؤسائه من دولة الروم . ويخرج الرسول العربي من طريق متباعد كأنه يتعمد الروغان من العيون والجواسيس . فإذا اعتقله الروم ـ ولا بد أن يعتقلوه لأنه يتعرض للإعتقال ويسعى إليه ـ وقعت الشبهة على البطريق المقصود وتعذر الإطمئنان إليه من قومه بعد ذلك وعزلوه وأبعدوه إن لم ينكلوا به أشد النكال (١) .
وحيلة أخرى لجأ إليها معاوية للإيقاع بخصومه هي تدبير مؤامرة اغتيال من يرى اغتياله وسيلة ناجحة في القضاء عليه . فعل ذلك مع الأشتر والحسن بن علي وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد .
هذا عدا عن ضربه خصومه ببعضهم فىستغنى ـ على ما يقول العقاد ـ بالوقيعة بينهم عن الإيقاع بهم .
ولكن معاوية ـ مع مداهنته وخبثه ـ لم يتردد ، إذا استلزمت مصالحه ذلك من الإيقاع بخصومه والتنكيل بهم بشكل من القسوة والغلظة قل أن يجدها المرء إلا في الأمويين .
وحوادث بسر بن أبي أرطأة ، والضحاك بن قيس الفهري ، وسفيان بن عوف الغامدي في الإعتداء على أرواح المسلمين بعد صفين ـ مشهورة لدى الكثيرين .
وإلى القارىء طرفا منها .
ذكر ابراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي في « كتاب الغارات » عن ابن الكنود « قال : حدثني سفيان بن عوف الغامدي قال دعاني معاوية فقال إني باعثك في جيش كثيف ذي أداة . فالزم لي جانب الفرات حتى تمر بهيت فتقطعها فإن وجدت بها جندا فاغر عليهم ، وإلا فامض حتى تغير على الأنبار . فإن لم تجد بها جنداً فامض حتى تصل المدائن .
__________________
١ ـ العقاد : معاوية بن أبي سفيان ص ٧٠ ـ ٧٢ . وقد فعل مثل ذلك مع قيس بن سعد بن عبادة وجرير بن عبد الله البجلي حتى أوقع الريبة منهما في نفس الإمام والمقربين إليه وبخاصة الأشتر .
