فإذا كان الدين بالنبوءة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم ، وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم فسهل انقيادهم واجتماعهم . . .
فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب عنهم مذمومات الأخلاق ويأخذهم بمحمودها ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق ثم اجتماعهم وحصل لهم التغلب والملك . وهم مع ذلك اسرع الناس قبولا للحق والهدى لسلامة طباعهم من عوج الملكات وبراءتها من ذميم الأخلاق إلا ما كان من خلق التوحش القريب المعاناة المتهيء لقبول الخير . ـ يضاف إلى ذلك ـ أن العرب ـ أبعد الأمم عن سياسة الملك والسبب في ذلك أنهم أكثر بداوة من سائر الأمم وأبعد مجالا في القفر وأغنى عن حاجات الناول لاعتيادهم الشظف وخشونة العيش . فاستغنوا عن غيرهم . فصعب انقياد بعضهم لبعض لإيلافهم ذلك وللتوحش .
ورئيسهم محتاج إليهم غالبا للعصبية التي بها المدافعة .
فكان مضطرا إلى إحسان ملكتهم وترك مراغمتهم لئلا يختل عليه شأن عصبيته فيكون فيها هلاكه وهلاكهم . . .
فإن من طبيعتهم كما قدمنا أخذ ما في أيدي الناس خاصة والتجافي عما سوى ذلك من الأحكام بينهم ودفاع بعضهم عن بعض .
فإذا ملكوا أمة من الأمم جعلوا غاية ملكهم الانتفاع بأخذ ما في أيديهم وتركوا ما سوى ذلك من الاحكام بينهم . . .
فبعدت طباع العرب لذلك كله عن سياسة الملك ، وإنما يصيرون إليها بعد انقلاب طباعهم وتبدلها بصبغة دينية تمحو ذلك منهم وتجعل الوازع لهم من أنفسهم . »
وإذا أمعنا النظر في الفقرات
التي اقتطفناها من الشعوبيين وابن خلدون أمكننا
