وأن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الفساد .
والسبب في ذلك : أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم خلقا وجبله وكان عندهم ملذوذا لما فيه من خروج على ربقة الحكم وعدم الانقياد للسياسة .
وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له . فغاية الأحوال العادية كلها عندهم الرحلة والتغلب وذلك مناقض للسكون الذي به العمران ومناف له .
فالحجر مثلا إنما حاجتهم إليه لنصبه أثافى للقدر . فينقلونه من المباني ويخربونها عليه ويعدونه لذلك .
والخشب أيضا إنما حاجتهم إليه ليعمروا به خيامهم ويتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم . فيخربون السقف عليه . لذلك فصارت طبيعة وجودهم منافية للبناء الذي هو أصل العمران . هذا في حالهم على العموم .
وأيضا في طبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس ، وأن رزقهم في ضلال رماحهم . وليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه . بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعون انتهبوه .
وأيضا فأنهم ليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد ودفاع بعض عن بعض إنما هم يأخذونه من أموال الناس نهبا أو غرامة . فإذا توصلوا إلى ذات وحصلوا عليه أعرضوا مما بعده من تسديد أحوالهم والنظر في مصالحهم وقهر بعضهم عن أغراض المفاسد .
هذا إلى أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بعصبية دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة . والسبب في ذلك أنهم ـ لخلق التوحش فيهم ـ أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرئاسة . فقلما تجتمع أهواؤهم .
