ومن الطريف أن ننبه القارىء إلى أن آينشتين العالم الفيزيائي المعروف قد أطلق على نظرياته العلمية اسم « النسبية » للتعبير عن الاختلاف الذي أشرنا إليه فاختلاف وجهات النظر بين الباحثين إذن أمر لا بد من حدوثه ، وأنه يؤدي ـ في العادة ـ إلى ازدهار المعرفة الإنسانية ويصدق ما ذكرناه على الفقه كما يصدق على ضروب المعرفة الأخرى ، مع هذا الفارق الكبير : هو أن الاجتهاد ـ في مجال الفقه ـ يجب أن يسير في نطاق الدين الإسلامي وفي إطار القرآن وسنة الرسول .
فهل يجوز إذن أن يعتبر انصراف الموالي ـ للجوانب العلمية الفقهية ـ وما رافق ذلك من تعدد في الرأي واختلاف في وجهات النظر ـ هدما للإسلام ؟
وإذا لم يكن الأمر كذلك فهل بالإمكان اعتبار سياسة الامويين ـ تجاه الموالي وتجاه العرب الذين طالبوا الأمويين بضرورة السير وفق مستلزمات الدين ـ هدما للإسلام ؟
إننا لا نشك في أن القارىء المنصف يشاركنا الإجابة بالإيجاب عن هذا السؤال .
أما قضية المفاضلة بالأحساب فيتلخص رأي الموالي في ردهم على ابن قتيبة . ذكر ابن عبد ربه (١) إن الموالي يقولون : « إننا نحن لا ننكر تباين الناس ولا تفاضلهم ولا السيد منهم والمسود والشريف والمشروف . ولكننا نزعم أن تفاضل الناس ـ فيما بينهم ـ هو ليس بآبائهم ولا بأحسابهم ولكنه بأفعالهم وأخلاقهم وشرف أنفسهم وبعد هممهم .
ألا ترى إنه من كان دنيء الهمة ساقط المروءة لم يشرف وإن كان من هاشم في ذؤابتها ! ! . إنما الكريم من كرمت أفعاله والشريف من شرفت همته . »
__________________
١ ـ العقد الفريد : ٢ / ٢٥٨ ـ ٢٥٩
