فلو كانت هي المعبّر عنها بالأمر لكان اللازم نصب القرينة على حدّها الزائد ؛ لأنّ الأمر لا يدل إلا على ذات الإرادة.
وأمّا لو قال : ( أكرم العالم ) وقصد من ذلك الإرادة الضعيفة والاستحباب لكان يجب أن ينصب قرينة تدلّ على ذلك ؛ لأنّنا قلنا : إنّ الإرادة الضعيفة تحتاج إلى بيان زائد عن أصل الإرادة ، ولا يكفي بيان الإرادة فقط ؛ لأنّ حدّها ليس من سنخ حد الإرادة الضعيفة ، فالأمر الموجود في الجملة لا يدلّ إلا على الإرادة المحضة ، أي ذات الإرادة فقط.
وأمّا الإرادة الاستحبابيّة الضعيفة فهي تحتاج إلى بيان زائد عن حدّ الإرادة ؛ لأنّهما سنخان مختلفان وحدّهما يختلف ؛ لأنّ حدّ الإرادة الضعيفة أمر وجودي فتكون إرادة الاستحباب من لفظ الأمر مع عدم نصب ما يدلّ على هذا الحدّ الزائد على خلاف المتعارف عند أهل المحاورة والعرف.
بينما لو كان يريد الإرادة الوجوبيّة الشديدة لكان هذا الكلام كافيا ؛ لأنّ حدّها من سنخ حدّ الإرادة ولا يحتاج إلى بيان زائد عن أصل بيان الإرادة ؛ لأنّهما شيء وسنخ واحد. فبيان أحدهما بيان للآخر أيضا ، فبالإطلاق وقرينة الحكمة ينتفي ما يدلّ على الإرادة الضعيفة ويتعيّن ما يدلّ على الإرادة الشديدة.
وقد أجيب (١) على ذلك : بأنّ اختلاف حال الحدّين أمر عقلي بالغ الدقّة وليس عرفيّا ، فلا يكون مؤثّرا في إثبات إطلاق عرفي يعيّن أحد الحدّين.
أمّا ما ذكره من بيان فهو فنّي ومقتضى الصناعة ، إلا أنّ إجراء الإطلاق وقرينة الحكمة في المقام غير تامّ ؛ وذلك لأنّ الإطلاق ومقدّمات الحكمة إنّما تجري فيما إذا فرض لفظ موضوع لمعنى قابل للإطلاق وقابل للتقييد ، فإنّه إذا لم يذكر ما يدلّ على التقييد كان ذلك كافيا لاستفادة الإطلاق ؛ لأنّ إرادة التقييد مع عدم ذكر ما يدلّ عليه على خلاف أهل المحاورة والبناء العقلائي.
فقرينة الحكمة تعتمد على ظهور حال المتكلّم في كونه في مقام البيان والتفهيم لتمام مراده الجدّي من كلامه ، فلو كان يريد التقييد لكان ذكر ما يدلّ عليه ، فما دام لم يذكر ما يدلّ عليه فهو لا يريده كما هو مقتضى المحاورات العرفيّة.
__________________
(١) نهاية الدراية ١ : ٣١٩.
![شرح الحلقة الثّالثة [ ج ١ ] شرح الحلقة الثّالثة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F783_sharh-alhalqatelsalesa-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
