السابق حجّة ما لم يعلم بارتفاعه وانتقاضه. وعليه ، فاستصحاب عدم التكليف هو المرجع ؛ لأنّه متيقّن إمّا قبل البلوغ وإمّا في صدر التشريع ، فما لم يتحقّق العلم يبقى ثابتا حتّى مع قيام الحجّة شرعا كخبر الثقة ، فإنّ موضوعها ثابت. غاية الأمر يتقدّم دليل خبر الثقة على دليل الاستصحاب لكونه حاكما أو أقوى إذ هو أخصّ منه وأصرح دلالة.
وأمّا الدليل الاجتهادي المفترض دلالته بالإطلاق على عدم الوجوب فهو حجّة مع احتمال حجّيّة الخبر المخصّص أيضا ؛ لأن مجرّد احتمال التخصيص لا يكفي لرفع اليد عن الإطلاق.
وأمّا الدليل الاجتهادي الدالّ بإطلاقه أو بعمومه على عدم الوجوب في هذا المورد فهو حجّة ولا يرفع اليد عنه إلا مع إحراز حجّة أخرى معارضة له أقوى منه دلالة وظهورا. فإنّ حجّيّة الإطلاق والعموم مقيّدة بعدم حجّة أخرى على الخلاف ، فما لم يعلم أو يحرز هذه الحجّة الأخرى المعارضة والأقوى يبقى الإطلاق والعموم على الحجّيّة. وهنا هذه الحجّيّة المشكوكة لا يمكنها أن تعارض حجّيّة الإطلاق أو العموم ولا يرفع اليد عنهما ؛ لأنّه لم يثبت المخصّص أو المقيّد لهما فلم يرتفع موضوع الحجيّة فيهما.
فالإطلاق والعموم شاملان لكلّ فرد علم دخوله تحتهما أو شكّ في خروجه ؛ لأنّ الفرد المشكوك خروجه عن الإطلاق أو العموم والذي لا يعلم وجود الدليل على إخراجه لا يحكم بخروجه ؛ لأنّ إخراجه إنّما يكون بالتقييد أو التخصيص المحرزين والمعلوم حجّيّتهما وهو منتف في مقامنا (١).
ونستخلص من ذلك : أنّ الموقف العملي لا يتغيّر باحتمال الحجّيّة ، وهذا يعني أنّ احتمالها يساوق عمليّا القطع بعدمها.
والنتيجة من ذلك : هو أنّ احتمال الحجيّة والأصل عند الشكّ في الحجّيّة هو عدم الحجّيّة ، أي أنّ احتمالها كالقطع بعدمها من دون فرق بينهما من الناحية العمليّة.
__________________
(١) ولا يقال بأنّه يكون من الشبهة المصداقيّة فلا يشمله الإطلاق ولا التخصيص فيكون مجملا ؛ لأنّه يقال : إنّ هذا إنّما يتمّ لو كان الإخراج بالتخصّص لا بالتخصيص ، أي بالورود لا بالحكومة. والمفروض أنّ التقييد والتخصيص من أنحاء القرينة العامّة كالحكومة.
![شرح الحلقة الثّالثة [ ج ١ ] شرح الحلقة الثّالثة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F783_sharh-alhalqatelsalesa-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
