تعلم أنّه حرام » فهذه الألسنة مطلقة بمعنى أنّه في كلّ مورد لا يعلم الحكم الواقعي فيه فهو مرفوع وحلال ، وهو معنى نفي العقاب والتأمين في حالة المخالفة للواقع.
فموضوع البراءة الشرعيّة هو عدم العلم بالتكليف الواقعي وهذا الموضوع ثابت في الفرض المذكور ، أي قيام دليل مشكوك الحجّيّة على الوجوب مثلا. فإنّ عدم العلم بالتكليف الواقعي متحقّق ؛ لأنّ هذه الحجّيّة المشكوكة لا تكشف عن الواقع كشفا تامّا بل إنّه يحتمل كونها كاشفة فقط. ومع هذا الاحتمال يصدق عدم العلم فتجري البراءة الشرعيّة. وهذا يعني أنّ المورد مشمول للبراءة لأجل إطلاق موضوعها ، بل يمكننا أن نقول أكثر من ذلك : وهو أنّ إطلاق البراءة الشرعيّة يشمل حالة قيام الحجّة المعتبرة شرعا على التكليف كقيام خبر ثقة دالّ على الوجوب ، فإنّ هذا الخبر كاشف ناقص عن الواقع فهو يفيد الظنّ فقط. غاية الأمر جعله الشارع حجّة بمعنى كونه منجّزا ومعذّرا ؛ لأنّه يبرز أنّ ملاكات الإلزام الواقعيّة هي الأهمّ وليس جعله حجّة بمعنى جعله علما كما هو مسلك الميرزا وغيره ، وحينئذ فعدم العلم بالتكليف الواقعي ثابت أيضا في صورة قيام الحجّة على التكليف فيقع التعارض بينهما ، ولكنّه تعارض غير مستقرّ ؛ وذلك لأنّ دليل حجّيّة خبر الثقة كالأخبار والسيرة العقلائيّة أقوى ظهورا ودلالة من دليل البراءة ولذلك يكون مقدّما عليها ، أو يكون حاكما على مسلك الميرزا والمشهور.
ومن المعلوم أنّ الحكومة نوع من التخصيص ؛ لأنّها توسّع أو تضيّق الموضوع أو المحمول بلسان التعبّد والادّعاء ، ولذلك يرفع اليد عن الإطلاق في دليل البراءة لثبوت هذا المخصّص الحاكم. وأمّا إذا لم يثبت هذا المخصّص فلا يؤخذ بالدليل الأضعف كالحجّيّة المشكوكة ويترك الدليل الأقوى وهو الإطلاق ، بل يبقى الإطلاق ثابتا وحجّة لعدم وجود حجّة أقوى منه تكون حاكمة عليه.
وكذلك الكلام في الاستصحاب.
فإنّ موضوعه العلم بالحكم الواقعي فمع عدم العلم به يكون موضوعه تامّا ولا يرفع اليد عنه بالشكّ ، وهذه الحجّة المشكوكة لا تفيد العلم بالحكم الواقعي ، فيبقى الاستصحاب حجّة لتحقّق موضوعه.
فقوله : « لا تنقض اليقين بالشكّ ولكن تنقضه بيقين آخر » يفيد أنّ اليقين
![شرح الحلقة الثّالثة [ ج ١ ] شرح الحلقة الثّالثة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F783_sharh-alhalqatelsalesa-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
