وفي شهر صفر صمم المسلمون على عبور دجلة ـ وكان فائضاً ـ وهو يفصل بين بهرسير وبين المدائن التي فيها الطاق ، وتلاحق الناس في دجلة وانهم يتحدثون كما يتحدثون في البر وطبقوا دجلة حتى ما يرى من الشاطىء شيء . وكان الذي يساير سعداً سلمان الفارسي ، فعامت بهم خيولهم . وسعد يقول : حسبنا الله ونعم الوكيل ، والله لينصرن الله وليه ؛ وليظهرن دينه ، وليهزمن عدوه إن لم يكن في الجيش بغى ، أو ذنوب تغلب الحسنات . فقال له سلمان : الإسلام جديد ، ذللت لهم البحور كما ذلل لهم البر ، أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجاً كما دخلوا فيه أفواجاً فخرجوا منه كما قال سلمان لم يفقدوا شيئاً .
خرج الناس سالمين وخيلهم تنفض أعرافها ، فلما رأى الفرس ذلك وأتاهم أمر لم يكن في حسابهم خرجوا هاربين نحو حلوان ، وكان يزدجرد قد قدم عياله إليها قبل ذلك . ودخل المسلمون المدائن ، فأخذوا في سككها لا يلقون فيها أحداً يخشونه إلا من كان في القصر الأبيض ، فأحاطوا بهم ودعوهم ، فاستجابوا على تأدية الجزية والذمة .
قال ابن الأثير :
« وكان سلمان الفارسي رائد المسلمين وداعيتهم ، دعا أهل ( بهرسير ) ثلاثاً ، وأهل القصر الأبيض ثلاثاً . » (١) « كان يقول لهم : إنما كنت رجلاً منكم ، فهداني الله للإسلام فإن أسلمتم ، فلكم ما لَنَا وعليكم ما علينا ، وإن أنتم أبيتم ؛ فأدوا الجزية وأنتم صاغرون ، فإن أبيتم ، نابذناكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين . » (٢) يخاطبهم بهذا القول قبل الهجوم عليهم ، عَلَّهم يفيئون إلى الإسلام ، وكان يقول : « أَدعُوهم كما رأيتُ رسولَ الله يدعوهم . » (٣) يفعل ذلك بهم ثلاثاً .
__________________
|
(١) : راجع الكامل ٢ / ٥٠٨ إلى ٥١٤ . |
(٣) : نفس المصدر . |
(٢) : سلمان الفارسي ١٢٧ كما عن مسند أحمد .
