أولا : إنّ التصور الّذي لأجله يدعو الإنسان الإله ، لا ينحصر في تصوّر كونه مالكاً للسلطة المهيمنة على قوانين الطبيعة ، بل يكفي الاعتقاد بكونه مالكاً للشفاعة والمغفرة ، كما كان عليه فريق من عرب الجاهلية ، إذ كانوا يعتقدون في شأن أصنامهم بأنّها آلهتهم لأنّها تملك الشفاعة والمغفرة ، وهو غير القول بوجود السلطة على عالم التكوين ، وبذلك يظهر الضعف في كلام آخر له ، حيث يقول :
« إنّ كلا من السلطة والألوهية تستلزم الأُخرى » (١).
والحال أنّ الإعتقاد بالألوهية أعمّ من الاعتقاد بالسلطة ، فلو افترضنا أن الاعتقاد بالسلطة يستلزم الألوهية ، ولكن الاعتقاد بالألوهية لا يستلزم الاعتقاد بالسلطة ، بل يكفي أن يعتقد أنّ المدعو يملك مقام الشفاعة والمغفرة ، أو شأناً من شؤونه سبحانه.
وثانياً : إنّ الاعتقاد بالسلطة إنّما يستلزم الاعتقاد بالألوهية إذا كان ينطوي على الاعتقاد بأنّه فوّضت إليه تلك السلطة تفويضاً ، بحيث يقوم بأعمالها باختياره من دون استئذان من اللّه سبحانه واعتماد عليه ، وعلى ضوء ذلك لا يكون الاعتقاد بها ـ إذا كان إعمال تلك السلطة بإذن اللّه ـ ملازماً للاعتقاد بالألوهية ، وإلاّ وجب أن لا نسجّل أحداً من المسلمين المعتقدين بالقرآن في ديوان الموحدين ، فإنّه يثبت ليوسف وموسى وسليمان والمسيح ، بل لأناس آخرين ليسوا بأنبياء سلطة غيبية. هذا قوله سبحانه في قصة سليمان : ( قال يَا أيُّها المَلأ أيُّكُم يَأتِيني بِعَرْشِها قَبْلَ أن يَأتُوني مُسلِمينَ * قال عِفْريتٌ مِنَ الجنّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أن تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنّي عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أمينُ * قَالَ الّذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْك طَرْفُكَ فَلَمّا رَآه مُستَقرّاً عَندَهُ قَالَ هَذَا مَنْ فَضلَ رَبّي لِيَبْلُوني أأشْكُرُ أم أكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإنَّ رَبَّي غَنِىٌّ كَرِيمٌ ) (٢).
__________________
١ ـ المصلطحات الأربعة ص ٣٠.
٢ ـ سورة النمل : الآية ٣٨ ـ ٤٠.
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٤ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F62_almelal-wa-alnahal-4%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

