ولا يرتاب أحد في أنّ سليمان سأل ما سأل بعد اعتقاده بكونهم أصحاب السلطة الغيبية ، أفيصح للمودودي أن يرمي ذلك النبي العظيم بما لا يليق بساحته ، بل لا يحتمل في حقه؟.
إنّ الذكر الحكيم يثبت ـ لسليمان ـ نفسه سلطة غيبية ، وأنّه كان له سلطة على الجن والطير حتّى أصبحا من جنوده ، كما يقول : ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنودُهُ مِنَ الجِنّ والإنسِ والطّير ... ) (١).
وكانت له السلطة على عالم الحيوانات حتّى أنّه كان يخاطبهم ويطلب منهم تنفيذ أوامره ، كما يقول : ( وتفَقَّدَ الطّيرَ فَقالَ مَاليَ لا أرَى الهُدْهُدَ أم كَانَ مِنَ الغَائَبينَ * لاُعذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَديداً أو لأَذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأتِيَنىّ بِسُلطان مُبين ) (٢) ، وكانت له السلطة على الجن ، فكانوا يعملون بأمره وإرادته ، كما يقول :
( ومنَ الجنّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بَإذْنِ رَبَّه ... يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ ... ) (٣) ، وكانت له السلطة على الريح أيما تسليط كما يقول : ( ولسُلَيَْمانَ الرّيحَ عاصَفَةً تَجْرِيَ بأَمْرِهِ ) (٤).
وعلى أىّ تقدير فايّة سلطة أعظم وأوضح من هذه السلطة الّتي كانت لسليمان؟ والجدير بالذكر أنّ بعض الآيات صرحت بأنّ كل هذه الأُمور غير العادية كانت تتحقق بأمره.
هذا ما ذكره القرآن في حق سليمان ، وقد ذكر نظيره في حق غير واحد من الأنبياء ، لاحظ الآيات (٥) فكيف يكون الاعتقاد بالسلطة الغيبية المهيمنة على الطبيعة على وجه الإطلاق ملازماً للاعتقاد بالألوهية ؟
__________________
١ ـ سورة النمل : الآية ١٧.
٢ ـ سورة النمل : الآية ٢٠ ـ ٢١.
٣ ـ سورة سبأ : الآية ١٢ ـ ١٣.
٤ ـ سورة الأنبياء : الآية ٨١.
٥ ـ سورة يوسف : الآية ٩٣ ـ ٩٦ ، سورة الشعراء : الآية ٦٣ ، سورة البقرة : الآية ٦٠ ( في حق موسى ) ، سورة آل عمران : الآية ٤٩ ( في حق المسيح ) ، سورة المائدة : الآية ١١٠ ( في حقه أيضاً ).
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٤ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F62_almelal-wa-alnahal-4%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

