ومتصرّفاً فرداً لا يشاركه في التدبير شيء آخر ، وأنّ تدبير الملائكة وسائر الأسباب بأمره وإذنه ، فلم يفوّض أمر التدبير إلى الأجرام السماوية والملائكة والجن. قال سبحانه : ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرش يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إلاّ مِنْ بَعْدِ إِذنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أفَلاَ تَذَكَّرُونَ ) (١).
والمراد من الشفيع هو العلل الطولية ، وسُمّي بالشفيع لأنّ تأثيره متوقف إلى ضمّ إذنه سبحانه إليه ، والشفع هو الضم ، سمي السبب شفيعاً لأنه يؤثر بانضمام إذنه تعالى.
وإذ انتهى إليه كل تدبير من دون الاستعانة بمعين ، أو الاعتضاد بأعضاد ، لم يكن لشيء من الأشياء أن يتوسط في تدبير أمر من الأُمور ـ وهو الشفاعة ـ إلاّ من عبد إذنه تعالى ، فهو سبحانه السبب الأصلي الّذي لا سبب بالأصالة دونه ، وأمّا الأسباب فإنها أسباب بتسبيبه ، وشفعاء من بعد إذنه (٢).
الرابعة : التوحيد في التشريع والتقنين ، والمراد منه حصر الحاكمية التشريعية في اللّه فليس لأحد أن يأمر وينهى ويحرم ويحلل إلاّ اللّه سبحانه. قال تعالى : ( إنِ الحُكْمُ إلاّ للّهِ أمَرَ ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاه ) (٣).
الخامسة : التوحيد في الطاعة ، والمراد منه هو : أنه ليس هناك من تجب طاعته بالذات إلاّ اللّه تعالى ، فهو وحده الّذي يجب أن يطاع ، ولو وجبت طاعة النبي فإنما هو بإذنه. قال سبحانه ( فاتّقوا اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُم واسْمَعُوا واطَيعُوا ) (٤).
السادسة : التوحيد في الحاكمية ، والمراد منه هو : أن جميع الناس سواسية ، فلا ولاية لأحد على أحد بالذات ، بل الولاية للّه المالك الخالق ، فمن مارس الحكم في الحياة يجب أن يكون بإذنه ، قال سبحانه : ( إنِ الحُكمُ
__________________
١ ـ سورة يونس : الآية ٣.
٢ ـ الميزان ج ١٠ ، ص ٧٦.
٣ ـ سورة يوسف : الآية ٤٠.
٤ ـ سورة التغابن : الآية ١٦.
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٤ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F62_almelal-wa-alnahal-4%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

