أمّا الأول فلم يقل به أحد ، إذ كل ما في الكون آيات وجوده ، ولا يصحّ تعظيم كل موجود بحجة أنه دليل على الصانع.
وأمّا الثاني فهو داخل في الآية قطعاً ، وقد عدّ الصفا والمروة والبدن من شعائر اللّه ، فهي من معالم عبادته وأعلام طاعنه ، إنما الكلام في اختصاص الآية بمعالم العبادة وأعلام طاعته ، الظاهر المتبادر هو الثالث ، أي معالم دينه سبحانه ، سواء أكانت أعلاماً لعبادته وطاعة أم لا ، فالأنبياء والأوصياء والشهداء والصحف والقرآن الكريم والأحاديث النبوية كلها من شعائر دين اللّه وأعلام شريعته ، فمن عظمها فقد عظم شعائر الدين.
قال القرطبي : فشعائر اللّه : أعلام دينه ، لا سيما ما يتعلق بالمناسك (١) ولقد أحسن حيث عمّم أولا ، ثم ذكر مورد الآية ثانياً ، ومما يعرب عن ذلك أنّ إيجاب التعظيم تعلق بـ ( حرمات اللّه ) في آية أُخرى.
قال سبحانه : ( وَمَنْ يُعظَّمْ حُرُماتِ اللّه فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ ربّه ) ، والحرمات ما لا يحل انتهاكه ، فأحكامه سبحانه حرمات اللّه ، إذ لا يحل انتهاكها ، وأعلام طاعته وعبادته وحرمات اللّه ، إذ يحرم هتكها وأنبياؤه وأوصياؤهم وشهداء دينه وكتبه وصحفه من حرمات اللّه ، يحرم هتكهم ، فلو عظّمهم المؤمن أحياء وأمواتاً فقد عمل بالآيتين : « وَمَن يَعظّم حرمات اللّه » « ومن يعظّم شعائر اللّه ».
٤ ـ الإذن في ترفيع بيوت خاصة
لقد أذن اللّه تعالى في ترفيع البيوت الّتي يذكر فيها اسمه فقال : ( في بُيُوت أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوَّ والآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاّبَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّه ) (٢) وقد عرفت أنّ ابن تيمية جعل الآية دليلا على تكريم المساجد ، ولكنّه غفل عن أنّ البيوت غير المساجد ، فهناك بيت وهناك مسجد ، والبيت هو البناء الّذي يتشكّل من جدران أربعة وعليها
__________________
١ ـ تفسير القرطبي ، طبع دار إحياء التراث العربي ، ج ١٢ ص ٥٦.
٢ ـ سورة النور : الآية ٣٦ ـ ٣٧.
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٤ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F62_almelal-wa-alnahal-4%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

