الخامس : إنّ الفرقة المشبهة ليست وليدة عصرنا هذا ، بل لها عرق ممتدّ إلى زمن التابعين ، الّذي كثرت فيه مسلمة اليهود والنصارى ، فأدخلوا في الأحاديث ما يروقهم من العقائد ، فتأثر بهم السذّج من المسلمين والمحدثين ، فأولئك هم المعروفون بالحشوية نسبة إلى الحشو ( بسكون الشين ) وهو اللغو الّذي لا اعتبار له ، فضلا عن أن يكون منسوباً إلى اللّه ورسوله ، أو مذهباً يدان اللّه به ، وما زال أهل الحق لهم بالمرصاد.
وقد كان القول بالتجسيم والتشبيه ردّ فعل لما كان عليه علىّ عليهالسلام وأولاده من الدعوة إلى التنزيه ، والاجتناب عن التشبيه ، في مجال الحق وذاته وصفاته ، نعم حكي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال : « أتانا من المشرق رأيان خبيثان ، جهم معطّل ومقاتل مشبّه ، فأفرط جهم في النفي ( نفي الصفات الجسمانية ) حتّى قال : « وإنّ اللّه ليس بشيء » وافرط مقاتل في الإثبات ، حتّى جعل اللّه تعالى مثل خلقه » (١).
ولكن الإمام أبا حنيفة تسامح في نسبة التجسيم إلى مقاتل ، بل لها جذور في الأحاديث المروية في الصحاح والمسانيد التي دسها مسلمة اليهود والنصارى في الأحاديث ، وكثير من المحدثين راقتهم تلك الأحاديث ، وبما أنّ عليّاً وابناء بيته الطاهر كانوا على التنزيه ، وهذه خُطَبهُ الرفيعة الرائعة في تنزيه الحق ، حاولت السلطة الأموية أنْ تُروّج كل حديث يتضمّن ضدّ ما كان عليه عليّ ، ويُحترم كل محدث يجنح إلى بثّ هذه الخرافات.
السادس : إنّ أتباع ابن تيمية ومن كان على ذاك الخطّ قبله من الحشوية ، يفرّون من الاستدلال والبرهنة وعلم الكلام والمناظرة ، ويحرّمون الاستماع إلى البراهين العقلية والمجادلة بالتي هي أحسن ، ولكنّه من تمويهاتهم الّتي يريدون بها دعم مبادئهم وصيانتها عن النقد والإشكال ، وكأنهم لم يسمعوا قول اللّه سبحانه :
( ... قُلّ هَاتُوا بُرْهَانَكُم إنْ كُنْتُم صَادِقين ) (٢) أو قوله سبحانه :
__________________
١ ـ تهذيب التهذيب ج ١٠ ص ٢٨١ ترجمة مقاتل.
٢ ـ سورة البقرة : الآية ١١١.
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٤ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F62_almelal-wa-alnahal-4%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

