وقع منه مثل ذلك ثانية ، وكنت إذ ذاك بدمشق. فحضرته يوم الجمعة ، وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم ، فكان من جملة كلامه أن قال : إنّ اللّه ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ، ونزل درجة من درج المنبر ، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء ، وأنكر ما تكلم به ، فقامت العامة إلى هذا الفقيه ، وضربوه بالأيدي والمنال ضرباً كثيراً » (١).
الثاني : إنّ ابن تيمية ومن لفّ لفّه يستدلون على مقالتهم بالقياس ، ويقولون : إنّ الوجه ، والعين ، واليدين ، والقدمين والساق صفات مثل سائر الصفات ، كالحياة والعلم والإرادة ، فكما أنّ له سبحانه حياة لا كحياة الإنسان ، فهكذا صفاته الخبرية ، فله وجه لا كالوجوه ، ويد لا كالأيدي ، ورجل لا كالرجل.
يلاحظ عليه : أنّ الاستدلال بالقياس في مجال العقائد أشد خطأ من الاستدلال به في المسائل الفقهية ، وعلى فرض الصحة فالقياس مع الفارق ، وذلك أنّ كلا من العلم والقدرة موضوع لمعنى غير متقيد بالجسم والمادة ، فالعلم من ينكشف لديه المعلوم ، والقادر من يستطيع على الفعل عن اختيار ، فلأجل ذلك لكل واحد منهما مراتب ودرجات ، فمنه حصولي ومنه حضوري ، فمنه زائد على الذات ، ومنه عين الذات ، وأمّا الصفات الخبرية كالوجه فإنها موضوعة على الموجود المادي الّذي له شكل خاص ، ولو كانت له مصاديق متفاوتة كوجه الإنسان والفرس والأسد فإنما هي في إطار الجسم المادي ، فالوجه بأي نحو أطلق يجب أن يكون موجوداً مادياً متهيئاً بهيئة خاصة ، فالوجه الفاقد للمادة والهيئة ، ليس وجهاً لغة ، ومثله الرجل واليد ، فالقول بأنّ له سبحان يداً لا كالأيدي ، إن أُريد منه التأويل ، أي تأويله بالقدرة ، فهذا هو الّذي ذهب إليه أهل التنزيه ، وإن أُريد به المعنى اللغوي بلا تدخل ولا تصرف ، ومع ذلك فهو يفقد المادة والهيئة والشكل فهذا أشبه بالتناقض.
__________________
١ ـ ابن بطوطة : الرحلة ص ٩٥ ـ ٩٦ طبع دار صادر ( ١٣٨٤ هـ ).
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٤ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F62_almelal-wa-alnahal-4%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

