الثالث : إنّ ابن تيمية ينسب إلى السلف بأنّهم لا يؤوّلون ظواهر الكتاب في مجال الصفات الخبرية ، ثم يستنتج منه أنهم يحملونها على ظواهرها اللغوية ، ويقولون : إنّ للّه وجهاً ويداً ورجلا ، ونزولا ونقلة بنفس معانيها اللغوية ، غاية الأمر أنّ الكيف مجهول.
يلاحظ عليه : أنّ ما نسب إلى السلف إذا كان صحيحاً يهدف إلى توقّفهم في تعيين المراد وتفويض الأمر إلى اللّه ، إذ في الأخذ بالظاهر اليدوي مغبة الجهة والتجسيم ، وفي تعيين المراد مظنة التفسير بالرأي ، فكانوا لا يخوضون في هذه الأبحاث الخطرة ، وأمّا أنهم يحملونها على ظواهرها ويفسرونها بنفس معانيها الابتدائية التصورية ، كما زعمه ابن تيمية ، فهو افتراء على المثبتين منهم.
نعم ، كان أهل التحقيق يخوضون في هذه المباحث ويعينون المعنى المراد ، وهذا ما يطلق عليه التأويل ، ولكن التأويل صحيح على وجه ، وباطل على وجه آخر ، فإن كان هناك شاهد عليه في نفس الآية والحديث ، أو كان التأويل من قسم المجاز البيّن الشائع ، فالحق سلوكه من غير توقف ، وإن لم يكن في النصوص عليه شاهد ، أو كان من المجاز البعيد ، فهذا هو التأويل الباطل ، وهو يلازم الخروج عن الملة والدخول في الكفر والإلحاد.
كما أنّ التأويل بلا قيد وشرط كفر وضلال ، كما عليه الباطنية ، فهكذا التعبد بالظواهر الابتدائية والمعاني التصورية ، وعدم الاعتناء بالقرائن المتصلة أو المنفصلة أيضاً كفر وضلال وتعبّد بالتجسيم والتشبيه.
إنّ المتحرّي للحقيقة يتبع الحق ولا يخاف من الإرهاب والإرعاب ، ولا من التنابز بالألقاب ، فلا يهوله ما يسمع من ابن تيمية وابن عبدالوهاب من تسمية المنزهين للحق عن الجهة والمكان ، معطّلة وجهمية ، وتلقيب القائلين ببدع اليهود والنصارى بالموحدين والمثبتين ، فلا يصرفنّك النبز بالألقاب إلى الإنحراف عن الحق الصراح ، الّذي أرشدك إليه كتاب اللّه وسنة رسوله القويمة ، والعقل الّذي به عرفت اللّه سبحانه ، وبه عرفت رسله ومعاجزه وآياته.
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٤ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F62_almelal-wa-alnahal-4%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

