« ان السم قد قطع أمعاءه » (١).
فعند ذلك يئس الإمام من حياته ودخل عليه عائدا الصحابي العظيم جنادة بن أبي أميّة فالتفت الى الإمام قائلا :
« عظني يا ابن رسول الله ».
فاجاب (ع) طلبته وهو في أشد الأحوال حراجة ، وأقساها ألما ومحنة فاتحفه بهذه الكلمات الذهبية التي هي أغلى وأثمن من الجوهر وقد كشفت عن أسرار إمامته ، قائلا :
« يا جنادة ، استعد لسفرك ، وحصل زادك قبل حلول أجلك ، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك ، ولا تحمل هم يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه ، واعلم أنك لا تكسب من المال شيئا فوق قوتك إلا كنت فيه خازنا لغيرك ، واعلم أن الدنيا في حلالها حساب ، وفى حرامها عقاب ، وفي الشبهات عتاب ، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة خذ منها ما يكفيك فان كان حلالا كنت قد زهدت فيه ، وإن كان حراما لم يكن فيه وزر فأخذت منه كما أخذت من الميتة ، وإن كان العقاب فالعقاب يسير ، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ، وإذا أردت عزا بلا عشيرة ، وهيبة بلا سلطان ، فاخرج من ذل معصية الله الى عز طاعة الله عز وجل ، وإذا نازعتك الى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك ، وإذا أخذت منه صانك ، وإذا أردت منه معونة أعانك وان قلت صدق قولك ، وان صلت شدّ صولتك ، وإن مددت يدك بفضل مدها ، وإن بدت منك ثلمة سدها ، وإن رأى منك حسنة عدها وإن سألته أعطاك ، وإن سكت عنه ابتدأك ، وإن نزلت بك إحدى
__________________
(١) البداية والنهاية ٨ / ٤٣.
![حياة الإمام الحسن بن علي عليهما السلام دراسة وتحليل [ ج ٢ ] حياة الإمام الحسن بن علي عليهما السلام دراسة وتحليل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F611_haiat-alemam-hasan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
