فمسألة وقوع آيات مدنية في سورة مكية وبالعكس معلوم ومنصوص عليه كما قلناه ، بل هو مذكور حتى في أوائل السور في بعض المصاحف المطبوعة سابقاً بالرسم العثماني في تركيا ومصر والشام والعراق ، وفي خصوص المقام فقد ورد فيه : ( سورة الإسراء مكية إلا الآيات : ٢٦ ، ٣٢ ، ٣٣ ، ٥٧ ومن آية : ٧٣ إلى آية : ٨٠ فمدنية ... ).
فتبيّن تدجيل ابن كثير وتضليله في قوله : وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده ، لأنّ الآية مكية وفَدَك انّما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة ، فكيف يلتئم هذا مع هذا ؟ فهو إذاً حديث منكر ، والأشبه أنّه من وضع الرافضة ، والله أعلم.
أقول : وبقيت مسألة فَدَك ، ومطالبة الزهراء عليهاالسلام تشك عيون النواصب ، فتبع ابن كثير نفر على رأيه ، وهم عن الحق معرضون ، فأبو الثناء الآلوسي ( ت ١٢٧٠ هـ ) قال في تفسيره روح المعاني (١) :
وما أخرجه البزار ، وأبو يعلى ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري من أنّه لما نزلت هذه الآية ـ يعني : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) ـ دعا رسول الله صلىاللهعليهوسلم فاطمة فأعطاها فدكاً ، لا يدل على تخصيص الخطاب به عليه الصلاة والسلام ، على أنه في القلب من صحة الخبر شيء ، بناء على أنّ السورة مكية ، وليست هذه الآية من المستثنيات ، وفَدَك لم تكن إذ ذاك تحت تصرّف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، بل طلبها رضي الله تعالى عنها ذلك إرثاً بعد وفاته عليه الصلاة والسلام كما هو المشهور ، يأبى القول بالصحة كما لا يخفى.
_____________________
١ ـ روح المعاني ١٥ : ٥٨ ـ ٥٩.
