وجوده العميم بأن قفلت بي الأسفار إلىٰ بلاد العراق وصرت بها مرتهن فراق فلقيت بها مشائخاً عظاماً وأبناء للعلم كراماً ، ولقيت من بينهم شمساً زاهرة في سماء نجومها لم أرىٰ مع كثرة سفري ونقلتي في البلاد أحسن منه مثيلاً ، ولا أعذب منه منطقاً ، ولا أحقّ بياناً ، أو أكثر علماً ، ولا أشدّ تورّعاً وعفّة ، ولا أجمل سيرة ولا أطيب سريرة ولا طريقة لا زيغ فيه ولا اضطراب ، ولا جهل ولا ارتياب ، وكأن القلوب تنجذب إليه كما ينجذب الحديد إلىٰ المغناطيس ، لما ينثر من لألئ ألفاظه ، وينتظم من سيرته واتّعاظه ، ورأيت الخلق مقبلين عليه ، وأهل العلم عاكفين لديه ، ويؤتىٰ إليه من جميع البلدان ، فهم بين شدّ وارتحال لبلوغ معالي الآمال ، وهو الشيخ الأوحد ، والعالم الأفرد ، عزّ الملّة والدين حسن بن عبد الكريم الفتّال ، أدام الله ظلاله علىٰ العالمين ، وحرس بطول بقائه الدين.
وكنت ممّن خلط نفسه في مزاحمتهم بين يديه ، والتقطت من أزهار بساتينه ، من بين بردتيه.
فرأيته ينكر علىٰ المشائخ المقلّدين للأموات ، ويكثر من تعنيف من يقلّد أهل الرفات ، لا بمجرّد التشهّي والغرض الدنيوي ، بل بالدلايل والبراهين الذين هما نهج الطالبين ، ويقول بواضح البيان ويشرح ما وجب علىٰ الكيانة والأعيان ، ويقول لابدّ من الاجتهاد والارتياد ، والقول بالاستنباط والاستدلال ، وإلىٰ هذا أشار العلماء المتقدّمون بالاتّفاق ، وعليه السلف بإطباق ، وهم قائلون به علىٰ الإطلاق ، فكيف أخلّوا أهل هذا الزمان بالواجب عليهم ، مع اعترافهم به ، وأصرّوا علىٰ تركه ، وأنكروا علىٰ من تشبّث به ، مع تقرّره في كتبهم ، وكان قوله هو الحقّ الذي لا شكّ فيه ، والصدق الذي لا مرية لديه.
فظهر لي بحمد الله ما كان خفيّاً ، وصار بعد الغموض للانغماس في الغفلة
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٨ ] [ ج ١٤٨ ] تراثنا ـ العدد [ 148 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4731_turathona-148%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)