القريشية الأولىٰ قد انمحت تماماً ، وحلّ محلّها هذا الخليط من اللهجات الأخرىٰ ، فإنّنا لا نزال نجد أنفسنا أمام لهجة متماسكة ومتميّزة عن غيرها من اللهجات الأخرىٰ ، ويستوي في ذلك أن نسمّيها لهجة قريش أو لهجة بيئة الحجاز»(١) ، بعد عرض المؤيّدين للهجة قريش ، نذكر أنّ ما ذهبوا إليه هو خطأ فادح وقد وقعوا فيه بسبب الاتّباع دون تفكير وتمحيص ، فقد أوضح ذلك الدكتور عبده الراجحي في كتابه اللهجات العربية والقراءات القرآنية؛ إذ يرىٰ أنّ لهجة قريش لم تكن في المستوىٰ الأعلىٰ من الفصاحة والبلاغة ، ويرىٰ أنّ القرآن الكريم نزل باللغة العربية المشتركة المكوّنة من جميع اللهجات العربية(٢).
وأعقب علىٰ ما ذُكِرَت من آراء تؤيّد لهجة قريش بأنّ من الأدلّة التي تشير إلىٰ أنّ لهجة قريش لم تكن أفصح اللهجات ، وأنّها لم تخرج واحداً من فحول الشعراء أصحاب المعلّقات ، وأيضاً ممّا يُعدّ أحد أسباب القول بفصاحة قريش عن باقي اللهجات ، هو حبّهم لرسول الله صلىاللهعليهوآله القرشي ، ومن الأدلّة التي تبيّن أنّ قريشاً لم تكن أفصح اللهجات أيضاً ، مكّة ديار قبيلة قريش ، وكان العجم والعرب يتردّدون عليها بقصد التجارة؛ لكون مكّة مركزاً تجاريّاً هامّاً ، وهذا يعني أنّ لهجة قريش كانت أكثر اللهجات عرضة للتأثّر باللّغات التي تفِد إليها ، وهذا دليل علىٰ أنّها لم تكن لهجة نقيّة عربية خالصة.
وأنا أتّفق مع الدكتور طه حسين أنّ قبيلة قريش كان لها سلطان سياسيّ واقتصاديّ ودينيّ ، وأنّها فرضت لهجتها علىٰ الكثير من القبائل المجاورة لها ، إلّا
__________
(١) اللغة والنحو : ٤٢ ـ ٤٣.
(٢) اللهجات العربية في القراءات القرآنية : ٤٨.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٧ ] [ ج ١٤٧ ] تراثنا ـ العدد [ 147 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4730_turathona-147%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)