الأربعة ، وهذا عدد قليل جدّاً ، كأنّه متأثّر برؤية النحويّين الذين استدلّوا به علىٰ قلّة.
٣ ـ كلام العرب :
هو ثالث الروافد السماعية التي اعتمدها النحويّون ويشمل الشعر والنثر ، وقد حظي الشاهد الشعري بالنصيب الأوفر من اهتمام النحويّين ، ولعلّ ذلك يعود إلىٰ المنزلة الكبيرة المحفوظة عند العرب للشعر. وقد أوضح إبراهيم أنيس سبب اهتمام النحويّين والفصحاء في الاستشهاد بالشعر والكثرة منه دون غيره؛ إذ قال : «إنّ رواية الشعر أدقّ من رواية النثر ، وإنّ تذكّر المنظوم أيسر من تذكّر المنثور ، وإنّ احتمال التغيير والتبديل في الشعر أقلّ من احتماله في المروي من النثر ، وذلك لحرصهم علىٰ تصوير الأساليب العربية في أدقّ صورها ، ولعلّهم كانوا علىٰ صواب في هذا ، أو لعلّهم كانوا معذورين في الاعتماد علىٰ الشواهد الشعرية»(١).
لكنّ النحويّين لم يحتجّوا بكلّ ما ورد عن العرب سواء أكان شعراً أم نثراً وإنّما قسّموا القبائل علىٰ قبائل فصيحة يقبل كلامها ويحتجّ به وأخرىٰ لا يحتجّ بكلامها؛ لأنّها غير فصيحة. فأوّل شيء كان يهمّ النحوي في استقراء كلام العرب هو توثيقه والتأكّد من صحّة نقله وفصاحته(٢) ، فلذلك بحث علماء العربية عمّن يصحّ الاحتجاج بكلامهم ووضعوا معايير لتحديد مَن يوثق بفصاحتهم وسلامة عربيّتهم.
فأوّل هذه المعايير المعيار الزماني : فقد قبلوا الاحتجاج بكلام عرب الجاهلية وفصحاء الإسلام حتّىٰ منتصف القرن الثاني ، سواء سكنوا الحضر أم البادية(٣) ،
__________
(١) من أسرار اللغة : ٣٤٢.
(٢) الدراسات النحوية واللغوية عند الزمخشري : ٤٥؛ أصول النحو العربي : ٣٨.
(٣) في أصول النحو : ١٩.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٧ ] [ ج ١٤٧ ] تراثنا ـ العدد [ 147 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4730_turathona-147%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)