فعبد القادر البغدادي قد أشار في كلامه أيضاً إلىٰ جواز الاستشهاد بكلّ ما ورد عن القرآن الكريم سواء أكان متواتراً صحيح السند والرواية أم شاذّاً غير مطابق لشروط القراءة الصحيحة ، وقد أوضح ابن جنّي (ت ٣٩٢ هـ) في كتابه المحتسب القراءة الشاذّة ، وحرص علىٰ تبيان ما يحتجّ به منها قال في توضيحه لأضرب القراءات : «ضرباً اجتمع عليه أكثر قُرّاء الأمصار ... وضرباً تعدّىٰ ذلك ، فسمّاه أهل زماننا شاذّاً ، أي : خارجاً عن قراءة القرّاء السبعة ... إلّا أنّه مع خروجه عنها نازع بالثقة إلىٰ قرّائه ، محفوف بالروايات من أمامه وورائه ... وربّما كان فيه ما تلطف صنعته وتعنف بغيره فصاحته ...»(١) ، فابن جنّي كان في كتابه هادفاً إلىٰ بيان أهمّية الشاذّ من القراءات دأباً علىٰ إبعاد كلّ ما يظنّ أنّه غضّ منها ، أو وجّه اتّهاماً لها.
وقد تباين موقف نحاة المدرستين البصرة والكوفة من القراءات فمنهم من ردّ بعضها وقبل بعضاً ، ومنهم من جعل القراءات كلّها حجّة(٢) ، فالبصريّون أخضعوا القراءات لأصولهم وأقيستهم ، فما وافق منها أصولهم ولو بالتأويل قبلوه ، وما لم يوافق أصولهم رفضوا الاحتجاج به ، ووصفوه بالشذوذ(٣) ، في حين كان للكوفيّين موقف مغاير من القراءات ، فقد قبلوها واحتجّوا بها ، وثبّتوا علىٰ ما جاء منها كثيراً من أصولهم وأحكامهم ، وهم إذا رجّحوا القراءات التي يُجمِع عليها القرّاء فلا يرفضون غيرها ، ولا يغلطونها ، لأنّها صواب عندهم أيضاً(٤).
__________
(١) المحتسب ١/٣٢ ، مقدمة المؤلّف.
(٢) ينظر : أصول النحو العربي : ٣٥.
(٣) ينظر : مدرسة الكوفة النحوية ومنهجها في دراسة اللغة والنحو : ٣٣٧.
(٤) ينظر : المصدر نفسه : ٣٤١.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٧ ] [ ج ١٤٧ ] تراثنا ـ العدد [ 147 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4730_turathona-147%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)