لاختارت الاقامة ، وفضلت فراقه على صحبته ، وبعده على قربه ، ونبزته بلقب العاق ، وادعت انها لم تتعد حدود الرحمة والحنان ، ووافقها الجمهور الجاهل على ذلك لبنائه الاحكام على المسلّمات ، ومنها أن الاولاد هم الذين يؤثرون اهواءهم على بر والديهم ، وان الوالدين لا يختار ان لولدهما الا ما فيه الخير له ، وأنهما يتركان كل حظوظهما ورغائبهما لاجله ، ولا ينكر أحد ان لهذا اصلا صحيحا ولكنه ليس من القضايا الكلية الدائمة ، أما الام فذلك شأنها مع الطفل الا ما تأتي به بوادر الغضب من لطمة خفيفة تسبق بها اليد من غير روية واختيار ، أو دعوة ضعيفة تعد من فلتات اللسان ، ولسان حالها ينشد :
|
أدعو عليه وقلبي |
|
يقول يا رب لا لا |
فاذا كبر وصار له رأي غير رأيها ، وهوى غير هواها ـ وذلك ما لا بد منه ـ تغير شأنها معه ، وهي اشد الناس حبا له ، فلا ترجح رأيه وهواه في كل مسائل الخلاف ، بل لا تعذره ايضا في كل ما يتبع فيه وجدانه ، ويرجح فيه استقلاله ، وأما الاب فهو على فضله وعنايته بأمر ولده أضعف من الام حبا ورحمة وإيثارا ، واشد استنكارا لاستقلال ولده دونه واستكبارا ، حتى إنه ليقسو عليه ويؤذيه ويشمت به ويحرمه من ماله ويؤثر الاجانب عليه. واكثر ما يكون ذلك من الاب الغني مع ولده المحتاج اذا خالف هواه (إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) وإن طغيانه يكون على حسب ما يرى لنفسه من السلطة والفضل والاستعلاء حتى انه لينتحل لنفسه صفات الربوبية ، ويتسلق بغروره الى ادعاء الالوهية ، وقد كنت أنكر على ابي الطيب قوله
|
والظلم من شيم النفوس فان تجد |
|
ذا عفة فلعلة لا يظلم |
وأعده من المبالغة الشعرية حتى كدت بعد اطالة التأمل في أحوال الوالدين مع الاولاد وتدبر ما أحفظ من الوقائع في ذلك أجزم بأن قوله هذا صحيح مطرد. فكم رأينا من غني قد انغمس في الترف والنعيم ، وأفاض من فضل ماله على المستحقين وغير المستحقين ، وله من الولد من يعيش في البؤس والضنك ، ولا يناله من والده لماج ولا مجاج من ذلك الرزق ، لانه لم يرض ان يكون منه كعبد الرق.
إنما اطلت في هذا لأن الناس غافلون عنه فهم يظنون ان وصايا الدين حجة على ان للوالدين ان يعبثا باستقلال الولد ما شاء هواهما ، وانه ليس للولد أن يخالف
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
