رأي والديه ولا هواهما ، وان كان هو عالما وهما جاهلين بمصالحه وبمصالح الامة والملة ، وهذا الجهل الشائع مما يزيد الآباء والامهات إغراء بالاستبداد في سياستهم للاولاد فيحسبون ان مقام الوالدية يقتضي بذاته ان يكون رأي الولد وعقله وفهمه دون رأي والديه وعقلهما وفهمهما ، كما يحسب الملوك والامراء المستبدون أنهم أعلى من جميع افراد رعاياهم عقلا وفهما ورأيا او يحسب هؤلاء وأولئك انه يجب ترجيح رأيهم وان كان افينا ، على رأي اولادهم ورعاياهم وإن كان حكيما.
اذا طال الامد على هذا الجهل الفاشي في أمتنا فان الامم التي تربي اولادها على الاستقلال الشخصي تستعبد من بقي من شعوبنا خارجا عن محيط سلطتها قبل ان ينقضي هذا الجيل.
يجب ان نفهم ان الاحسان بالوالدين الذي امرنا به في دين الفطرة هو ان نكون في غاية الادب مع الوالدين في القول والعمل بحسب العرف حتي يكونا مغبوطين بنا وان نكفيهما امر ما يحتاجان اليه من الامور المشروعة المعروفة بحسب استطاعتنا ، ولا يدخل في ذلك شيء من سلب حريتنا واستقلالنا في شؤوننا الشخصية والمنزلية ، ولا في اعمالنا لانفسنا ولملتنا ولدولتنا ، فاذا اراد احدهما او كلاهما الاستبداد في تصرفنا فليس من البر ولا من الاحسان شرعا ان نترك ما نرى فيه الخير العام او الخاص ، او نعمل ما نرى فيه الضرر العام او الخاص ، عملا برأيهما واتباعا لهواهما ، من سافر لطلب العلم الذي يرى أنه واجب عليه لتكميل نفسه او خدمة دينه او دولته ، أو سافر لاجل عمل نافع له او لامته ووالداه أو احدهما غير راض لانه لا يعرف قيمة ذلك العمل فانه لا يكون عاقا ولا مسيئا شرعا وعقلا ، هذا ما ينبغي ان يعرفه الوالدون والاولاد : البر والاحسان ، لا يقتضيان سلب الحرية والاستقلال.
أرأيت لو كانت أمهات سلفنا الا ماجد كأمهاتنا أكانوا فتحوا الممالك ، وفعلوا هاتيك العظائم؟ كلا بل كانت الاسيفة الرقيقة القلب منهن كتماضر الخنساء رضي الله عنها تدفع بنيها الاربعة الى القتال في سبيل الله وترغبهم فيه بعبارات تشجع الجبان ، بل تحرك الجماد ، فقد روى ابن عبد البر عن الزبير بن بكار أنها شهدت
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
