المعصية هي الصغيرة وهذا الانحباط هو المسمى بالتكفير (والقسم الثالث) أن يكون عقاب معصيته أزيد من ثواب طاعته وحينئذ ينحبط ذلك الثواب بما يساويه من العقاب (١) ويفضل من العقاب شيء ومثل هذه المعصية هي الكبيرة وهذا الانحباط هو المسمى بالاحباط. وبهذا الكلام ظهر الفرق بين الكبيرة وبين الصغيرة وهذا قول جمهور المعتزلة.
ثم رد الرازي هذا الكلام قال لا لأنه مبني على اصول باطلة عندنا اي عند الاشعرية وذكر منها كون الطاعة توجب الثواب والمعصية توجب العقاب ومنها القول بالاحباط وبأن الانسان يستحق بعمله الصالح جزاء. وكل ذلك مردود عنده لا أدري أنقل الرازي هذه العبارة بنصها أم بمعناها ولكن أقول على الحالين ان توجيه الرجل ذكاءه لمناقشة المعتزلة وتفنيد أقوالهم ، ونصر الاشاعرة وتأييد مذهبهم ، قد شغله في كثير من المواضع عن استبانة الحقيقة في نفسها ، فعبارة الغزالي التي ذكرها ليس فيها ذكر لإيجاب الطاعة الثواب والمعصية العقاب وإنما حرك هذه المسألة في خياله ذكر المعتزلة ، وانما ذكر الغزالي استحقاق العامل الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ، وهذا الاستحقاق ليس بايجاب من ذي سلطة على الله عزوجل وانما هو بحسب وعده ووعيده تعالى وآيات القرآن الدالة عليه تعلو تأويل المؤولين وجدل المجادلين. وكذلك حبوط الاعمال بالكفر أو إحاطة المعاصي ثابتة في القرآن لا يمكن لأحد ان يماري فيها مراء ظاهرا (فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) (بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ) (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) على ان كلام الغزالي هنا لا يوضح معنى الكبيرة والصغيرة وان كان صحيحا في نفسه وفيه معنى تكفير السيئات.
وهذه الموازنة بين الحسنات والسيئات التي أشار اليها إنما تتحقق بحسب تأثيرها في النفس فاذا زكت النفس بغلبة تأثير الطاعات فيها على تأثير المعاصي أفلحت وارتفعت الى عليين واذا كان العكس خسرت وحبط ما عملت (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) وقد اوضحنا هذا المعني في التفسير غير مرة. وان تكفير
__________________
(١) نسي ان الحسنة بعشر امثالها أو أراد بما يساويه بعد المضاعفة.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
