يرتكبه الانسان مع التهاون بالامر وعدم المبالاة بنظر الله اليه ورؤيته إياه حيث نهاه فهو مهما كان صغيرا (أي في صورته أو ضرره) يعد كبيرة (أي من حيث هو استهانة بالدين وداع الى الاصرار والانهماك والاستهتار) ومثال ذلك تطفيف الكيل والميزان وإخسارهما فقد قال تعالى (٨٣ : ١ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) وهو يصدق بالقليل والكثير ولو حبة ، والهمز واللمز فقد قال (١٠٤ : ١ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) أي الذين اعتادوا الهمز واللمز وهما عيب الناس والطعن في اعراضهم. والويل الهلاك فهو وعيد شديد.
أقول ان هذا الذي ذهب اليه هو ترجيح للقول بأن الكبائر بحسب قصد فاعلها وشعوره عند اقترافها وعقبه لا في ذاتها وحسب ضررها وهذا لا يقتضي انكار تمايز المعاصي في انفسها وكون منها الصغيرة كالنظر الى ما لا يحل النظر اليه من المرأة الاجنبية ومنها ما هو كبيرة كالزنا وكذلك ضرب الرجل خادمه ضربا خفيفا بدون ذنب يقتضي ذلك يعد صغيرة واما قتله اياه فلا يمكن أن يعد صغيرة في نفسه مهما كان الباعث النفسي عليه. ولكن مسألة تكفير السيئات وعدم المؤاخذة عليها في الآخرة تتعلق بمقاصد النفس وقوة الايمان وسلطانه في القلب وهو ما جرى عليه الغزالي وتبعه الاستاذ الامام. واننا ننقل عن الغزالي نبذا تدل على رأيه في هذه المسألة.
قال الرازي : وذكر الشيخ الغزالي رحمهالله في منتخبات كتاب إحياء علوم الدين فصلا طويلا في الفرق بين الكبائر والصغائر فقال فهذا كله قول من قال ان الكبائر تمتاز عن الصغائر بحسب ذواتها وانفسها.
واما القول الثاني وهو قول من يقول ان لكل طاعة قدرا من الثواب ولكل معصية قدرا من العقاب فاذا أتى الانسان بطاعة واستحق بها ثوابا ثم أتى بمعصية واستحق بها عقابا فههنا الحال بين ثواب الطاعة وعقاب المعصية بحسب القسمة العقلية يقع على ثلاثة أوجه (احدها) ان يتعادلا ويتساويا وهذا وان كان محتملا بحسب التقسيم العقلي الا انه دل الدليل السمعي على انه لا يوجد لانه تعالى قال (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (والقسم الثاني) ان يكون ثواب طاعة أزيد من عقاب معصية وحينئذ ينحبط ذلك بما يساويه من الثواب ويفضل من الثواب شيء ومثل هذه
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
