وقد علمت ان الجمهور على ان الاستثناء منقطع أي ان المقام مقام الاستدراك لا الاستثناء والمعني لا تكونوا من ذوي الطمع الذين يأكلون أموال الناس بغير مقابل لها من عين أو منفعة ولكن كلوها بالتجارة التي قوام الحل فيها التراضي فذلك هو اللائق بأهل الدين والمروءة اذا أرادوا ان يكونوا من أهل الدثور والثروة. وقال البقاعي : ان الاستدراك لا يجئ في النظم البليغ بصورة الاستثناء أي الذي يسمونه الاستثناء المنقطع الا لنكتة. وقال إن النكتة هنا هي الاشارة الى ان جميع ما في الدنيا من التجارة وما في معناها من قبيل الباطل لانه لا ثبات له ولا بقاء ، فينبغي ان لا يشتغل به العاقل عن الاستعداد للدار الآخرة التي هي خير وأبقى. وفي الآية من الفوائد ان مدار حل التجارة علي تراضي المتبايعين ، والغش والكذب من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة ، وكل ما يشترط في البيع عند الفقهاء فهو لاجل تحقيق التراضي من غير غش وما عدا ذلك فلا علاقة له بالدين.
قال البقاعي : ولما كان المال عديل الروح ونهى عن اتلافه بالباطل نهى عن اتلاف النفس لكون اكثر إتلافهم لها بالغارات لنهب الاموال وما كان بسببها أو تسببها على ان من أكل ماله ثارت نفسه فأدى ذلك الى الفتن التي ربما كان آخرها القتل فكان النهي عن ذلك أنسب شيء لما بنيت عليه السورة من التعاطف والتواصل فقال تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) الخ أقول ظاهر هذه الجملة وحدها ان النهي انما هو عن قتل الانسان لنفسه وهو الانتحار والمتبادر منها في هذا الاسلوب ان المراد لا يقتل بعضكم بعضا وهو الاقوى. واختير هذا التعبير للاشعار بتعاون الامة وتكافلها ووحدتها كما تقدم في نكتة التعبير عن اكل بعضهم مال بعض بقوله (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ) وجمع بعضهم في النهي عن القتل بين الامرين فقال أي لا تقتلوها حقيقة بالانتحار ولا مجازا بقتل بعضكم لبعض ، ولم يقولوا مثل هذا في النهي عن أكل أموال انفسهم بالباطل على ان المعني يكون في نفسه صحيحا فان النفقات بالباطل محرمة شرعا لانها من إضاعة المال في غير منفعة حقيقة ، وقد تقدم ما يؤيد ذلك في تفسير قوله تعالى (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
