لَكُمْ قِياماً) (راجع ص ٣٧٩ ج ٤ تفسير) وكل المحرمات في الاسلام ترجع الى الاخلال بحفظ الاصول الكلية الواجب حفظها بالاجماع وهي الدين والنفس والعرض والعقل والمال والنسب. وعللوا التعبير عن قتل الانسان لغيره بقتله لنفسه بأنه لما كان يفضي الى قتله قصاصا أو ثأرا كان كأنه قتل لنفسه. وقالوا مثل هذا القول في تفسير قوله تعالى في خطاب بني اسرائيل (٢ : ٨٤ وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٥) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ) الآية. حتى أنهم قالوا في قوله تعالى لبني اسرائيل (٢ : ٥٤ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) ان المعنى ليقتل كل منكم نفسه بالبخع والانتحار أو أمروا ان يقتل بعضهم بعضا ، وقال بعضهم ان المراد بالقتل هنا لك قطع الشهوات كما قيل من لم يعذب نفسه لم ينعمها ومن لم يقتلها لم يحبها.
وقيل ان المعنى هنا لا تخاطروا بنفوسكم في القتال فتقاتلوا من يغلب على ظنكم أنهم يقتلونكم. ومن نظر في مجموع الآيات الواردة في هذا المعنى وراعى دلالة النظم والاسلوب يجزم بأن المراد بقتل الناس انفسهم هو قتل بعضهم لبعض وان النكتة في التعبير هي ما تقدم بيانه من وحدة الامة حتى كأن كل فرد من أفرادها هو عين الآخر وجنايته عليه جناية على نفسه من جهة وجناية على جميع الافراد من جهة أخرى ، بل علمنا القرآن أن جناية الانسان على غيره تعد جناية على البشر كلهم لا على المتصلين معه برابطة الامة الدينية او الجنسية او السياسية بقوله عزوجل (٥ : ٣٥ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً).
واذا كان يرشدنا بأنه يجب علينا ان نحترم نفوس الناس بعدّها كنفوسنا فاحترامنا لنفوسنا يجب أن يكون أولى فلا يباح بحال من الاحوال أن يقتل أحد نفسه كأن يبخعها ليستريح من الغم وشقاء الحياة فمهما اشتدت المصائب على المؤمن فانه يصبر ويحتسب ولا ينقطع رجاؤه من الفرج الإلهي ، ولذلك نرى بخع النفس (الانتحار) يكثر حيث يقل الايمان ، ويفشو الكفر والالحاد ، ومن فوائد الايمان مدافعة المصائب والاكدار ، فالمؤمن لا يتألم من بؤس الحياة كما يتألم الكافر فليس من شأنه أن يبخع نفسه حتى ينهى عن ذلك نهيا صريحا
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
