الاستاذ الامام : قالوا ان الآية دليل على تحريم ما عدا ربح التجارة من أموال الناس ـ أي كالهدية والهبة ـ ثم نسخ ذلك بآية النور المبيحة للانسان ان يأكل من بيوت أقاربه وأصدقائه ، وهو افتراء على الدين لا أصل له ـ أي لم تصح روايته عمن عزي اليه ـ اذ لا يعقل ان تكون الهبة محرمة في وقت من الاوقات ، ولا ما في معناها كإقراء الضيف ، وانما يكون التحريم فيما يمانع فيه صاحب المال فيؤخذ بدون رضاه أو بدون علمه مع العلم أو الظن بأنه لا يسمح به. وانما استثنى الله التجارة من عموم الاموال التي يجري فيها الاكل بالباطل أي بدون مقابل لان معظم انواعها يدخل فيها الاكل بالباطل فان تحديد قيمة الشيء وجعل عوضه أو ثمنه على قدره بقسطاس الحق المستقيم عزيز وعسير ان لم يكن محالا.
فالمراد من الاستثناء التسامح بما يكون فيه أحد العوضين أكبر من الآخر وما يكون سبب التعاوض فيه براعة التاجر في تزيين سلعته وترويجها بزخرف القول من غير غش ولا خداع ولا تغرير كما يقع ذلك كثيرا فان الانسان كثيرا ما يشتري الشيء من غير حاجة شديدة اليه وكثيرا ما يشتريه بثمن يعلم انه يمكن ابتياعه بأقل منه من مكان آخر ولا يكون سبب ذلك الاخلابة التاجر وزخرفه ، وقد يكون ذلك من المحافظة على الصدق واتقاء التغرير والغش ، فيكون من باطل التجارة الحاصلة بالتراضي ، وهو المستثنى ، والحكمة في إباحة ذلك التّرغيب في التجارة لشدة حاجة الناس اليها وتنبيه الناس الى استعمال ما أوتوا من الذكاء والفطنة في اختبار الاشياء والتدقيق في المعاملة حفظا لاموالهم التي جعلها الله لهم قياما أن يذهب شيء منها بالباطل ، أي بدون منفعة تقابلها. فعلى هذا يكون الاستثناء متصلا خرج به الربح الكثير ، الذي يكون بغير غش ولا تغرير ؛ بل بتراض لم تنخدع فيه ارادة المغبون ، ولو لم يبح مثل هذا لما رغب في التجارة ولا اشتغل بها أحد من أهل الدين على شدة حاجة العمران اليها وعدم الاستغناء عنها ، اذ لا يمكن أن تتبازى الهمم فيها مع التضييق في مثل هذا. وقد شعر الناس منذ العصور الخالية بما يلابس التجارة من الباطل حتى ان اليونانيين جعلوا للتجارة والسرقة إلها أو ربّا واحدا فيما كان عندهم من الآلهة والارباب لانواع المخلوقات وكليات الاخلاق والاعمال اه ما قاله في الدرس مع زيادة وايضاح.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
