يعتد بها ورضى من يؤخذ منه وكذا انفاقه في غير وجه حقيقي نافع. وقال الاستاذ الامام هنا : فسر الجلال وغيره الباطل بالمحرم وهو إحالة للشيء على نفسه فان الله حرم الباطل بهذه الآية فقولهم ان الباطل هو المحرم يجعل حاصل معنى الآية : انني جعلت المال المحرم محرما. والصواب ان الباطل هو ما يقابل الحق ويضادّه ، والكتاب يطلق الالفاظ كالحق والمعروف والحسنات او الصالحات ، وما يقابلها وهو الباطل والمنكر والسيئات ، ويكل فهمها الى أهل الفطرة السليمة من العارفين باللغة ومن ذلك قوله في اليهود (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) فحق فلان في المال هو الثابت له في العرف وهو ما اذا عرض على العقلاء المنصفين اصحاب الفطرة السليمة يقولون انه له ، فيدخل في الباطل الغصب والغش والخداع والربا والغبن والتغرير. وقوله (بَيْنَكُمْ) للاشعار بأن المال المحرم لانه باطل هو ما كان موضع التنازع في التعامل بين المتعاملين كأنه واقع بين الآكل والمأكول منه ، كل منهما يريد جذبه لنفسه ، فيجب ان يكون المرجح للمال بين اثنين يتنازعان فيه هو الحق ، فلا يجوز لاحد ان يأخذه بالباطل. وعبر بالأكل عن مطلق الاخذ لانه أقوى اسبابه وأعمها وأكثرها.
قال تعالى (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) قرأ الكوفيون تجارة بالنصب اي الا ان تكون تلك الاموال تجارة الخ وقرأها الباقون بالرفع على أن كان تامة والمعنى الا ان توجد تجارة عن تراض منكم ، والاستثناء منقطع قالوا والمعنى لا تقصدوا الى أكل أموال الناس بالباطل ولكن اقصدوا أن تربحوا بالتجارة التي تكون صادرة عن التراضي منكم وتخصيصها بالذكر دون سائر اسباب الملك لكونها أكثر وقوعا وأوفق لذوي المروآت. وروى ابن جرير عن الحسن وعكرمة انهما قالا كان الرجل يتحرج ان يأكل عند أحد من الناس بهذه الآية فنسخ ذلك بالآية التي في سورة النور (وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) الآية. وروى ابن ابي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود انه قال في هذه الآية إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ الى يوم القيامة.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
