فالبلاد التي يعمل فيها بالاسلام لا يوجد فيها مضطر الى القوت والستر قط سواء كان مسلما أو غير مسلم ، لان الاسلام يفرض على المسلمين فرضا قطعيا ان يزيلوا ضرورة كل مضطر ، كما يفرض في أموالهم حقا آخر للفقراء والمساكين ومساعدة الغارمين الذين يبذلون أموالهم للاصلاح بين الناس ولغير ذلك من أنواع البر ، ويرى كل من يقيم في تلك البلاد أن مال الامة هو ماله لانه اذا اضطر اليه يجده مذخورا له ، وقد يصيبه منه حظ في غير حال الاضطرار وقد جعل المال المعين المفروض في أموال الاغنياء تحت سيطرة الجماعة الحاكمة من الامة لئلا يمنعه بعض من يمرض الايمان في قلوبهم ، وترك الى اريحية الافراد سائر ما أوجبه الشرع عليهم او ندبهم اليه ، وحثهم باطلاق النصوص عليه ، ورغبهم فيه ، وذمهم على منعه ، ليكون الدافع لهم الى البذل من أنفسهم ، فتقوى ملكات السخاء والنجدة والمروءة والرحمة فيها ، ولم يبح للمحتاج ان يأخذ ما يحتاج اليه من أيديهم بدون اذنهم ومرضاتهم لان في ذلك مفسدتين مفسدة قطع أسباب تلك الفضائل وما في معناها ومفسدة اتكال الكسالى على كسب غيرهم ، ومن وراء هاتين المفسدتين انحطاط البشر وفساد نظام الاجتماع ، فان الناس خلقوا متفاوتين في الاستعداد فمنهم المغمول ، المخلد الى الكسل والخمول ، ومنهم محب الشهرة والظهور ، وتذليل صعاب الامور ، فاذا ابيح للكسالى البطالين ، ان يفتاتوا على الكاسبين المجدّين ، فيأخذوا ما شاؤا او احتاجوا من ثمرات كسبهم ، بغير رضاهم ولا اذنهم ، أفضت هذه الاباحة الى الفوضى في الاموال ، والضعف والتواني في الاعمال ، والفساد في الاخلاق والآداب ، كما لا يخفى على أولي الالباب ، فوجب أن لا يأخذ أحد مال أحد الا بحق ، أو يبذل صاحب المال ما شاء عن كرم وفضل ، فمتى يعود المسلمون الى حقيقة دينهم ويكونون حجة له على جميع الملل كما كان سلفهم ، فيقيموا المدنية الصحيحة في هذا العصر كما اقامها اولئك في عصورهم؟. وقد تقدم تفسير مثل هذه الجملة في سورة البقرة (س ٢ آية ١٨٨ ج ٢ ص ١٨٩) وذكرنا هنا لك ما في هذه الاضافة من إعجاز الايجاز
أما الباطل فقد قلنا هنا لك انه ما لم يكن في مقابلة شيء حقيقي وهو من البطل والبطلان اي الضياع والخسار فقد حرمت الشريعة أخذ المال بدون مقابلة حقيقية
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
