قالت اليهود انا نعلم أبناءنا التوراة صغارا فلا تكون لهم ذنوب وذنوبنا مثل ذنوب أبنائنا ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل ، وذكر روايات أخرى ورجح ان تزكيتهم لانفسهم وصفهم إياها بأنها لا ذنوب لها ولا خطايا وانهم ابناء الله واحباؤه أما معنى (أَلَمْ تَرَ) فقد ذكر قريبا والاستفهام للتعجيب من حالهم. وتزكية النفس تكون بالعمل الذي يجعلها زاكية أي طاهرة كثيرة الخير والبركة واصل الزكاة والزكاة النمو والبركة في الزرع ومثله كل نافع فتزكية النفس بالفعل عبارة عن تتمية فضائلها وخيراتها ولا يتم ذلك الا باجتناب الشرور التي تعارض الخير وتعوقه وهذه التزكية محمودة وهي المرادة بقوله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) اي نفسه. وتكون بالقول وهو ادعاء الزكاء والكمال ومنه تزكية الشهود وقد اجمع العقلاء على استقباح تزكية المرء لنفسه بالقول ومدحها ولو بالحق ولتزكيتها بالباطل اشد قبحا وهذا هو المراد هنا وهذا النوع من التزكية مصدره الجهل والغرور ومن آثاره العتو والاستكبار عن قبول الحق والانتفاع بالنصح ، وقد رد الله عليهم بقوله (بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ) أي ليست العبرة بتزكيتكم لانفسكم بأنكم ابناء الله وأحباؤه وانكم لا تعذبون في النار وانكم ستكونون اهل الجنة دون غيركم لأنكم شعب الله المختار بل الله يزكي من يشاء من عباده من جميع الشعوب والاقوام بهدايتهم الى العقائد الصحيحة والآداب الكاملة والاعمال الصالحة أو شهادة كتابه لهم بموافقة عقائدهم وآدابهم وأخلاقهم وأعمالهم لما جاء فيه (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى).
(وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) أي ولا يظلم الله هؤلاء الذين يزكون أنفسهم ولا غيرهم من خلقه شيئا مما يستحقونه بأعمالهم ولو حقيرا كالفتيل ، وقد بينا من قبل ان اصل الظلم بمعنى النقص أي لا ينقصهم من الجزاء على أعمالهم الحسنة شيئا ما بعدم تزكيته إياهم لان عدم تزكيتهم انما تكون بعدم اتباعهم لما تكون به النفس زكية من هداية الدين والعقل ونظام الفطرة. والفتيل ما يكون في شق نواة التمرة مثل الخيط وما تفتله بين اصابعك من وسخ او خيط وتضرب العرب به المثل في الشيء الحقير فهو بمعني (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) وتقدم تفسيره من عهد قريب. فخذلان الملوثين برذيلة الشرك
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
