في الدنيا بالعبودية لغيرهم وغير ذلك من آثار انحطاطهم ، وعذابهم في الآخرة وحرمانهم من نعيمها ، لا يكون بظلم من الله عزوجل لهم ، ونقصه إياهم شيئا من ثواب أعمالهم ، وانما يكون بنقصان درجات أعمالهم ، وعجزها عن العروج بأرواحهم ، بل بتدسيتها لنفوسهم ، لتزكيتهم إياها بالقول الباطل دون الفعل (وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) كدرجات الحرارة في ميزانها ودرجات الرطوبة في ميزانها ، فما كل درجة من الاولى يغلي بها الماء ، ولا كل درجة منها يكون بها جليدا ، ولا كل درجة من الثانية ينزل بها المطر ، وكدرجات امتحان طلاب العلوم في المدارس ، أو الأعمال في الحكومة لا ينال الفوز الا بالدرجات العلى المحدد أدناها وأعلاها بالحكمة.
والآية تدل على ان الله تعالى يجزي كل عامل خير بعمله وان كان مشركا لأن لعمله أثرا في نفسه يكون مناط الجزاء فاذا لم يصل تأثير عمل المشرك الى الدرجة التي تكون بها النجاة من العذاب ألبتة فان عمله ينفعه بكون عذابه أقل من عذاب من لم يعمل من الخير مثل عمله ، مثال ذلك في الدنيا رجلان يشربان الخمر احدهما مقل والآخر مكثر فضرر المكثر يكون اكبر من ضرر المقل ، وآخران متساويان في الشرب ولكن بنية احدهما قوية تقاوم الضرر ان يفتك بالجسم وبنية الآخر ضعيفة لا تستطيع المقاومة فان ضرر هذا من الشرب يكون أشد من ضرر ذاك. كذلك الروح القوية السليمة الفطرة الصحيحة الايمان المزكاة بالعمل الصالح لا تهبط بها السيئة الواحدة والسيئتان الى درجة الاشرار الفجار فتجعلها شقية مثلهم بل يغلب خيرها على الشر الذي يعرض لها فيزيله أو يضعفه حتى يكون ضررها غير مهلك ، ومنه تعلم ان بعض المؤمنين الصالحين قد يعذب في الدنيا والآخرة بذنبه ولكنه لا يكون من الهالكين الخالدين.
والعبرة بهذه الآية وما قبلها للمسلمين هي وجوب اتقاء ما هم عليه من الغرور بدينهم كما كان أهل الكتاب في عصر التنزيل وما قبله وما بعده بقرون ، واتقاء مثل ما كانوا عليه من تزكية أنفسهم بالقول واحتقار من عداهم من المشركين الذي انجرّ الى احتقار المسلمين عند ظهور الاسلام حتي كانت عاقبة ذلك الغرور
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
