العظيم ، وقد خلق للناس مشاعر يدركون بها وعقولا يهتدون بها الى ما لا يدركه الحس ، وشرع لهم من أحكام الدين وآدابه ما لا تستقل عقولهم بالوصول الى مثله في هدايتهم وحفظ مصالحهم وجعل فوائد الدين وآدابه سائقة الى الخير صارفة عن الشر لتأييدها بالوعد والوعيد فمن وقع بعد ذلك فيما يضره ويؤذيه وترتبت عليه عقوبته كان هو الظالم لنفسه لان الله لا يظلم أحدا.
(قال) ونفي الظلم ههنا على اطلاقه يشمل المؤمن والكافر والذرة فيه عبارة عن منتهى الصغر في الاجسام وقيل الذر الهباء وقيل النمل الصغير الاحمر أو الذرة رأس النملة الصغيرة. واظهر من هذه الآية في العموم (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) الخ وقد قدّر مفسرنا (الجلال) في الآية هنا (احدا) للاشارة الى العموم. ولكن ورد في الكافرين ما يدل على انه لا أثر لعملهم في الآخرة كقوله (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) وقوله في عملهم (فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) وقد قال بعضهم في الجمع ان الله يجازيهم على أعمالهم في الدنيا وهذا تأويل لا يأتي في سورة الزلزلة لان الكلام فيها خاص بيوم القيامة. وقال بعضهم غير ذلك كل يحمل الآية على مذهبه كما هي عادة المقلدين في جعل مذاهبهم أصلا والقرآن العزيز فرعا يحمل عليها ولو بالتأويل السقيم والتحريف البعيد.
(قال) ومن العجب أن يقول قائل بهذه التأويلات وقد ورد في الاحاديث المسلمة عند قائليها ان بعض المشركين يخفف عنه العذاب بعمل له : حاتم بكرمه وأبو طالب بكفالته النبي ونصره إياه ـ بل ورد حديث بالتخفيف عن ابي لهب لعتقه ثوبة حين بشر بالنبي (ص) هذا وابو لهب هو الذي نزل فيه (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) الخ السورة فالمعنى الصحيح اذن للآيات هو ان الله لا يقيم وزنا للمشرك في مقابلة شركه بمعنى انه لا يقابل الشرك عمل صالح فيمحوه بل الاعمال الصالحة بازاء الشرك هباء ولكن المشرك العاصي أشد عذابا من المشرك المحسن. ولا يعقل ان يكون المحسن والمسيء عنده تعالى سواء فان هذا من الظلم المنفي بلا شك.
أقول المثقال ـ مفعال من الثقل ـ المقدار الذي له ثقل مهما قل ، واطلق على المعيار المخصوص للذهب وغيره وهو معروف. والذرة أصغر ما يدرك من الاجسام
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
