كما اختار الاستاذ الامام وما أطلق على النملة وعلى رأسها وعلى الخردلة وعلى الدقيقة من دقائق الهباء ـ وهو ما يظهر في نور الشمس الداخل من الكوى ـ الا لبيان مكان صغر هذه الاشياء ولذلك روي عن ابن عباس في الذرة روايتان مختلفتان روي عنه انها رأس النملة وروي عنه انه أدخل يده في التراب ثم نفخ فيه فقال كل واحدة من هؤلاء ذرة. وروي أن ابن مسعود قرأ : ان الله لا يظلم مثال نملة. وقد بينا من قبل ان مثل هذه القراءة لا يقصد بها القرآن وانما يقصد بها التفسير. والظلم معناه في الاصل النقص كما قال تعالى في سورة الكهف (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً) فمعنى قوله تعالى (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) ان الله تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله والجزاء عليه شيئا ما وان صغر كذرة الهباء بل يوفيه أجره. ولا يعاقبه بغير استحقاق للعقوبة وقد بينا معنى نفي الظلم عن البارئ في مواضع من التفسير ومن المنار منها تفسير (٣ : ١١٧ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) فيراجع في ص ٧٩ من جزء التفسير الرابع ومنها تفسير (٣ : ١٨٢ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) فيراجع في ص ٢٦٦ وتفسير (٣ : ٢٩٢ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) في ص ٣٠١ من ذلك الجزء ايضا. ولا أذكر غيرها الآن. ومما يوضح هذا المعنى في التفسير الكلام في الجزاء وموازين الاعمال. ولا تفهم هذه الآية حق الفهم الا باستبانة ما حققناه غير مرة في معنى الجزاء وكون الثواب والعقاب تابعين لتأثير اعمال الانسان في نفسه بالتزكية أو التدسية والقرآن يفسر بعضه بعضا ويؤيد بعضه بعضا وما أخطأ كثير من العلماء في فهم كثير من الآيات الا لذهولهم عن مقارنة الآيات المتناسبة بعضها ببعض واستبدالهم بذلك تحكيم الاصطلاحات والقواعد التي وضعها علماء مذاهبهم وارجاع الآيات اليها وحملها عليها فهذا يستشكل نفي الظلم عن الله عزوجل لان العبيد لا يستحقون عنده شيئا من الاجر فيكون منعه أو النقص منه ظلما ثم يجيب عن ذلك بأنه بالنسبة الى الوعد فهو قد وعد بإثابة المحسن وأوعد بعقاب المسيء ثم جعلوا جواز تخلف الوعد او الوعيد محل بحث وجدال أيضا ، وهذا يقول ان إثابة المحسن وعقاب المسيء أمر حسن في ذاته موافق للحكمة فهو واجب عليه تعالى أو واجب في حقه كما يجب له كل كمال ويستحيل عليه كل نقص فقام
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
