بالحكمة والموعظة الحسنة حتى لا ينفر الناس أو لا يحملهم على ايذائه. فان الله يقول : انه لا نجاة للناس الا بالتواصى بالحق والتواصى بالصبر. ولم يشترط فى ذلك شرطا ، أى فيجب أن نأخذ النصوص على اطلاقها وأن نقوم بها بقدر الاستطاعة أو الطاقة ، ونتقى مع ذلك ما يحف بها من المهالك.
أقول : وقد جرت سنة الأنبياء والمرسلين والسلف الصالحين على الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وان كان محفوفا بالمكاره والمخاوف. وكم قتل فى سبيل ذلك منهم من نبى وصديق ، فكانوا أفضل الشهداء. وفى حديث جابر أن النبى صلىاللهعليهوسلم قال : «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ثم رجل قام إلى امام فأمره ونهاه فى ذات الله تعالى فقتله على ذلك» رواه الحاكم وقال : صحيح الاسناد ، وتعقبه الذهبى بأن فى سنده حفيدا العطار لا يدرى من هو. ورواه الديلمى والضياء المقدسى. وروى الطبراني نحوه عن ابن عباس بسند ضعيف ويؤيده قوله صلىاللهعليهوسلم «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» رواه ابن ماجه من حديث أبى سعيد الخدرى وأحمد وابن ماجه والطبرانى والبيهقى فى شعب الايمان عن أبى أمامة واحمد والنسائى والبيهقى فى الشعب أيضا عن طارق بن شهاب. ذكر ذلك فى الجامع الصغير ، ووضع بجانبه علامة الصحيح.
أقول : ورواه أبو داود فى سننه عن أبى سعيد مرفوعا بلفظ «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر» وقد ورد من تصدى علماء السلف لنصيحة الملوك والامراء الظالمين وإيذاء هؤلاء لهم وسفكهم دماء بعضهم ما يرد شرط أولئك المشترطين للأمن عليهم ويضرب به وجوههم (١) ولا ينافى هذا كون التوقى من الهلكة واجبا لذاته فى هذه الحالة ، كما يجب فى حال الجهاد بالسيف ، فلا نترك الدعوة الى الخير ولا الجهاد دونه خوفا على أنفسنا حرصا على الحياة الدنيا ، ولا نفرط بأنفسنا فى أثناء دعوتنا وجهادنا فيما لا تتوقف الدعوة ولا حمايتها عليه. وقد يكون أكثر ما يصيب الداعى إلى الخير من الأذى ناشئا عن طريقة الدعوة
__________________
(١) أوردنا طائفة من ذلك فى المجلد التاسع من المنار فليرجع اليه من شاء.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
