على الطريق الثاني. فان أفراد الأمة إذا قام كل واحد منهم بنصيحة الآخر ، دعوة وأمرا ونهيا ، امتنع فشوّ الشر والمنكر فيهم ، واستقر أمر الخير والمعروف بينهم. فكيف تجد الفرقة منفذا إليهم؟ أم كيف يستقر الخلاف فى الدين بينهم؟ وناهيك إذا قام كل على طريقه المستقيم ـ العلماء الحكماء فى مساجدهم ومعابدهم ، وجميع الأفراد فى منازلهم ومساكنهم ومعاهدهم.
وقد يقال : إننا نرى التصدى لنصيحة الأفراد وأمرهم ونهيهم مجلبة للخلاف والفرقة ، لا داعية إلى الوفاق والوحدة ، وقد أورد الأستاذ الامام هذه الشبهة وأجاب عنها ، فقال ما مثاله : كيف يكون التآمر والتناهى حافظا للوحدة ونحن نرى الأمر بالعكس؟ نرى التناصح سبب التخاصم والتدابر ، حتى صار من أعسر الأمور بين الاخوان والأصحاب أن يقول أحدهما للآخر : إنك فعلت كذا وهو منكر ، فارجع عنه ، أو إنك قادر على كذا من المعروف فائته. وذكر عن نفسه رحمهالله أنه صار يجد من الصعب جدا ـ حتى مع من يعده صنيعة له أو ولدا أو أخا ـ أن ينصحه فى الأمر أكثر من مرة خشية أن ينفر ويحمله ذلك على قطع ما بينهما من الرابطة. قال : فكأن النصح لهم من الكليات التى لا يوجد لها إلا فرد واحد. وذكر أنه لهذا النفور من النصح يسلك مع أصحابه والمتصلين به مسلك الكناية والتعريض فى الغالب. وأجاب عن ذلك بأن هذا لا يعد حجة على الله ولا شبهة على دينه ، لأنه منتهى ما تصل إليه الأمم من الفساد والبعد عن الخير ، واستحقاق الغضب الألهى. وتكاد الأمة التى يفشو هذا فيها تكون من الأمم التى تودّع منها. وإنما الكلام فى الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع المسلمين الذين كانوا يشعرون بنعمة الله عليهم بالتأليف بين قلوبهم وإنقاذهم من النار بعد أن كانوا قد أشفوا عليها ، ومع من يشاركونهم فى شعورهم ذاك ويتبعون سنتهم فى الاهتداء بما أنزل الله. كما وقع بين الأوس والخزرج فى الرواية التى سبق ذكرها. فأمثال هؤلاء هم الذين يصدق عليهم قوله صلىاللهعليهوسلم «المؤمن مرآة المؤمن» رواه الطبرانى. فى الأوسط والضياء من حديث أنس ، ورواه البخاوى فى الأدب المفرد وأبو داود
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
