وتنهون عن المنكر. قال الأستاذ الامام : والظاهر أن الكلام على حد «ليكن لى منك صديق» فالأمر عام ، ويدل على العموم قوله تعالى (وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ. وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ. وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) فان التواصى هو الامر والنهى ، وقوله عزوجل (٥ : ٧٨ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ٧٩ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) وما قص الله علينا شيئا من أخبار الامم السالفة إلا لنعتبر به. وقد أشار المفسر ـ الجلال ـ إلى الاعتراض الذى يرد على القول بالعموم وهو أنه يشترط فيمن يأمر وينهى أن يكون عالما بالمعروف الذى يأمر به والمنكر الذى ينهى عنه. وفى الناس جاهلون لا يعرفون الاحكام. ولكن هذا الكلام لا ينطبق على ما يجب أن يكون عليه المسلم من العلم. فان المفروض الذى ينبغى أن يحمل عليه حطاب التنزيل هو أن المسلم لا يجهل ما يجب عليه وهو مأمور بالعلم والتفرقة بين المعروف والمنكر ، على أن المعروف عند إطلاقه يراد به ما عرفته العقول والطباع السليمة والمنكر ضده ، وهو ما أنكرته العقول والطباع السليمة. ولا يلزم لمعرفة هذا قراءة حاشية ابن عابدين على الدر ، ولا فتح القدير ولا المبسوط. وإنما المرشد إليه ـ مع سلامة الفطرة ـ كتاب الله وسنة رسوله المنقولة بالتواتر والعمل ، وهو ما لا يسع أحدا جهله ولا يكون المسلم مسلما إلا به. فالذين منعوا عموم الامر بالمعروف والنهى عن المنكر جوزوا أن يكون المسلم جاهلا لا يعرف الخير من الشر ، ولا بميز بين المعروف والمنكر ، وهو لا يجوز دينا.
ثم إن هذه الدعوة إلى الخير والامر والنهى لها مراتب. فالمرتبة الأولى : هى دعوة هذه الأمة سائر الأمم إلى الخير وأن يشاركوهم فيما هم عليه من النور والهدى ، وهو الذى يتجه به قول المفسر : إن المراد بالخير : الاسلام. وقد فسرنا الاسلام من قبل بأنه دين الله على لسان جميع الأنبياء لجميع الامم ، وهو الاخلاص لله تعالى والرجوع عن الهوى إلى حكمه. وهذا مطلوب منا بحكم جعلنا أمة وسطا وشهداء على الناس كما تقدم فى سورة البقرة ، وخير أمة أخرجت للناس كما سيأتى بعد آيات مقيدا بكوننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ، وبحكم قوله فى وصف المؤمنين
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
