من مودتنا شيئا ، فضلا عن أن يكون مثارا للعداوة والبغضاء بيننا. فأنا أعذرهم فى رأيهم مع اعتقادى باخلاصهم وهم يعذروننى كذلك. ولنفرض أن الخلاف بيننا فى مسألة دينية كأن أعتقد أنا أن فعل كذا حرام ، وهم يعتقدون حله ؛ أكان يكون بيننا تفرق لأجله؟ كلا. لا ريب عندى انه لا فرق بين الخلافين واننا نبقى على هذا الخلاف أصدقاء.
ثم قال ما مثاله مبسوطا : كذلك كان الخلاف بين علماء السلف وأئمة الفقهاء. فمالك قد نشأ فى المدينة ورأى ما كان عليه أهلها من حسن الحال وسلامة القلوب فقال : ان عمل أهل المدينة أصل من أصولى ، لأنهم على حسن حالهم وقرب عهدهم بالنبى وأصحابه لا يتفقون على غير ما مضت عليه السنة عملا. وأما أبو حنيفة فنشأ فى العراق وأهلها كما اشتهر عنهم أهل شقاق ونفاق. فهو معذور إذا لم يحتج بعملهم ولا بعمل غيرهم قياسا عليهم ، ولو اجتمعا لعذر كل منهما الآخر. لأنه بذل جهده فى استبانة الحق مع الاخلاص لله تعالى ، وإرادة الخير والطاعة. وقد نقل عن الأئمة ان كل واحد كان يعذر الآخرين فيما خالفوه فيه ، ولكن تنكب هذه الطريقة طوائف جاءت بعدهم تقلدهم فيما نقل من مذاهبهم لا فى سيرتهم ، حتى صار الهوى هو الحاكم فى الدين ، وصار المسلمون شيعا ، يتعصب كل فريق إلى رأى من مسائل الخلاف ، ويعادى الآخر إذا خالفه فيه. وكان من جرّاء ذلك ما هو مدون فى التاريخ. وما ذلك إلا لأن الحق لم يكن هو مطلوب هؤلاء المتعصبين ، وإلا فبالله كيف يصدق أن يكون الامام الشافعى مثلا مصيبا فى كل ما خالف به غيره؟ وإذا كان الصواب فى بعض المسائل الاجتهادية مع غيره ، فكيف يعقل أن يمر أكثر من ألف سنة على فقهاء مذهبه ولا يظهر لهم شىء من ذلك ، فيرجعوا عن قوله إلى ما ظهر لهم انه الصواب من مذهب غيره كأبى حنيفة أو مالك؟ وهذا ما يقال فى أتباع كل مذهب.
هذا النوع من الخلاف هو الذى ذلت به الأمم بعد عزها ، وهوت بعد رفعتها وضعفت بعد قوتها ـ هو الافتراق فى الدين وذهاب أهله مذاهب تجعلهم شيعا تتحكم فيهم الأهواء ، كما حصل من الفرق الاسلامية ، لا يكاد أحدهم يعلم أن الآخر
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
