لا يختلفون فيه ، وهو حكم الله. ولذلك قال (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أى ليعدكم ويؤهلكم بها للاهتداء الدائم المستمر فلا تعودوا إلى عمل الجاهلية من التفرق والعدوان.
ثم قال : التفرق والاختلاف قسمان : قسم لا يمكن أن يسلم منه البشر ، فالنهى عنه من قبيل تكليف ما لا يستطاع ، وليس بمراد فى الآيات ؛ وقسم يمكن الاحتراس منه وهو المراد بها. أما الأول فهو الخلاف فى الفهم والرأى ولا مفر منه لأنه مما فطر عليه البشر. كما قال تعالى (١١ : ١١٨ وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) فاستواء الناس فى العقول والافهام مما لا سبيل إليه ولا مطمع فيه. إذ هو من قبيل الحب والبغض ، فالأخوة الأشقاء فى البيت الواحد تختلف أفهامهم فى الشىء كما يختلف حبهم له وميلهم إليه. وأما الثانى ـ وهو ما جاءت الأديان لمحوه ـ فهو تحكيم الأهواء فى الدين والأحكام ، وهو أشد الأشياء ضررا فى البشر ، لأنه يطمس أعلام الهداية التى يلجأ إليها فى إزالة المضار التى فى النوع الأول من الخلاف.
أما كون القسم الأول غير ضار فهو ما يعرفه كل أحد من نفسه ، ذكر ذلك الاستاذ الامام وضرب له المثل بنفسه ، فقال ما مثاله : إن بينى وبين بعض أصحابى الصادقين فى محبتى وإرادة الخير لى خلافا فى إلقاء هذا الدرس هنا. فأنا أعتقد أن إلقاء درس التفسير فى الازهر عمل واجب علىّ وخير لى ولا أشك فى هذا ؛ كما أننى لا أشك فى هذا الضوء الذى أمامى ، ويوجد من أصحابى من يعتقد أن ترك هذا الدرس خير لى من قراءته ويحاجونى فى ذلك ، قائلين : إن تأخرى لأجل الدرس إلى الليل ضار بصحتى وإنه مثير لحسد الحاسدين لى ، ودافع لهم إلى الكيد والايذاء ، وأن الدرس نفسه عقيم لأن أكثر الذين يسمعونه لا يفقهون ما أقول ولا يفهمون ، ومن فهم لا يرجى أن يعمل به لغلبة فساد الاخلاق. هذه حجة بعض أصحابى فى مخالفة رأيى واعتقادى يصرحون لى بها ، ومع ذلك ألقاهم ويلقوننى لم ينقص ذلك
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
