مع النص وكونه فى مسألة قطعية لا تقوم المصلحة بدونها ، ويقولون على فرض التسليم كيف أقدم أبو بكر على هذا الامر المخالف للنص ولم يكن مجمعا عليه حينئذ لانكم تدعون أنه إنما أجمع عليه بعد ذلك؟ والصواب أن بيعة عمر كانت بالشورى ولكن هذه الشورى حصلت فى عهد أبى بكر وهو الذى تولاها بنفسه ، كما قلنا آنفا وانما تعجل ذلك لخوفه على الامة فتنة التفرق والخلاف من بعده فشاور أهل الرأى والمكانة من الصحابة فيمن يلى الامر بعده ، فرأى الاكثرين منهم يوافقونه على أن أمثلهم عمر ، ورأى بعضهم يخاف من شدته ، فكان يجتهد فى إزالة ذلك من قلوبهم بمثل قوله : إنه يرانى كثير اللين فيشتد. أى لاجل أن يكون من مجموع سيرتهما الاعتدال أو ما هذا مغزاه. حتى انه تكلف صعود المنبر قبل وفاته وتكلم فى المسألة بما أفنع القوم ، فعهد اليه فى الامر فى حياته فكان ذلك كتوكيل له فى مرضه وترشيح له من بعده وإنما العمدة فى جعله أميرا على مبايعة الامة والمبايعة لا تتوقف صحتها على الشورى ، ولكن قد يحتاج فيها الى الشورى لاجل جمع الكلمة على واحد ترضاه الامة فاذا أمكن ذلك بغير تشاور بين أهل الحل والعقد كأن جعلوا ذلك بالانتخاب المعروف الآن فى الحكومة الجمهورية وما هو فى معناها حصل المقصود. وما سبق لابى بكر من المشاورة والاقناع فى تولية عمر أغنى عن المشاورة بعد وفاته فاتفق الجميع على مبايعته وصدق عليه أنه اتفاق بعد شورى أو بسبب الشورى.
وأما جعل عمر الشورى فى نفر معينين فهو اجتهاد منه فى إقامة هذا الركن مع اتقاء فتنة الخلاف التى تخشى من تكثير عدد المتشاورين ، فأولئك النفر الذين جعلها فيهم هم أهل الرأى والمكانة فى الامة الذين تخضع لرأيهم اذا اتفقوا وتتعصب لهم اذا اختلفوا لان لكل واحد منهم عصبة يرونه أهلا للامارة على المسلمين. وكان هؤلاء الذين اختارهم عمررض) هم أولى الامر أو خواص أولى الامر وزعماءهم وهم الاحق بالشورى كما يؤخذ من الامر فى الكتاب العزيز بطاعة أولى الامر مع قوله عزوجل (٤ : ٨٣ وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) ومن المشهور أن للمفسرين فى أولى الامر قولين أحدهما أنهم الامراء الحاكمون وثانيهما
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
