بالزلل الذى أوقعهم الشيطان فيه ما كان من الهزيمة والفشل بعد توليهم عن مكانهم طمعا فى الغنيمة ويكون هذا التولى هو المراد ببعض ما كسبوا. ولا يصح هذا التأويل على الوجه الآخر القائل بأن الذين تولوا هم جميع الذين أدبروا عن القتال الا اذا أريد ببعض ما كسبوا : ما كسب الرماة منهم وهم بعضهم ، فيكون المعنى إن الذين تولوا منكم مدبرين عن القتال إنما استزلهم الشيطان بسبب بعض ما كسبت طائفة منهم وهم بعض الرماة فانه لو لا ذلك لما كر المشركون بعد هزيمتهم وجاؤا لمؤمنين من ورائهم حتى أدهشوهم وهزموهم.
وللسببية وجه آخر ينطبق على كل من القولين فى الذين تولوا وهو ان توليهم عن القتال لم يكن الا ناشئا عن بعض ما كسبوا من السيئات من قبل فانها هى التى أحدثت الضعف فى نفوسهم حتى أعدتها الى ما وقع منها. ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى (٤٢ : ٣٠ وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) فهو بمعنى ما هنا الا أنه هنالك عام وهنا خاص بالذين تولوا يوم أحد ، فالآيتان واردتان فى بيان سنة من سنن الله تعالى فى أخلاق البشر وأعمالهم ، وهى أن المصائب التى تعرض لهم فى أبدانهم وشؤونهم الاجتماعية إنما هى آثار طبيعية لبعض أعمالهم وأن من أعمالهم ما لا يترتب عليه عقوبة تعد مصيبة وهو المعفو عنه أى الذى مضت سنة الله تعالى بأن يعفى ويمحى أثره من النفس فلا تترتب عليه الأعمال وهو بعض اللمم والهفو الذى لا يتكرر ولا يصير ملكة وعادة. وقد عبر عنه فى الآية التى هى الأصل والقاعدة فى بيان هذه السنة بقوله (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) ويؤيد ذلك قوله تعالى (٦ : ٧١ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ) أى بجميع ما كسبوا فان «ما» من الكلمات التى تفيد العموم. وقد بينا هذه السنة الالهية فى مواضع كثيرة من التفسير وجرينا على انها عامة فى عقوبات الدنيا والآخرة فجميعها آثار طبيعية للأعمال السيئة ، وقد اهتدى إلى هذه السنة بعض حكماء الغرب فى هذا العصر.
أما قوله تعالى (ولقد عفا الله عنكم) فالعفو فيه غير العفو فى آية الشورى ذلك عفو عام وهذا عفو خاص. ذلك عفو يراد به أن من سنة الله فى فطرة البشر أن تكون بعض هفواتهم وذنوبهم غير مفضية إلى العقوبة بالمصائب فى الدنيا والعذاب فى
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
