إِلى مَضاجِعِهِمْ) أى لما حصل القتل الثابت فى علم الله تعالى إلا ببروزهم من بيوتهم الى مواضع القتال التى يصرعون فيها. وبروزهم هذا من أعمالهم الاختيارية : فليس فى الآية محال ولا نصر لمذهب على مذهب ، وإنما هى جامعة للحقائق مستعلية على جميع المذاهب ، مبطلة لكل من دعوى الجبر المحض والتعطيل المحض ودعوى الذبذبة بينهما. ويؤيد اثباتها لحقيقة عمل الانسان واختياره الآية الكريمة التالية وهى :
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا) أى إن الذين تولوا وفروا من أماكنهم يوم التقى جمعكم بجمع المشركين فى أحد لم يكن ذلك التولى منهم الا بايقاع الشيطان لهم فى الزلل أى زلوا وانحرفوا عما يجب أن يكونوا ثابتين عليه باستجرار الشيطان لهم بالوسوسة. قال الراغب : استجرهم حتى زلوا فان الخطيئة الصغيرة اذا ترخص الانسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان على نفسه اه. ولعله يشير بذلك أن المراد بالذين تولوا الرماة الذين أمرهم الرسول صلىاللهعليهوسلم أن يثبتوا فى أماكنهم ليدفعوا المشركين عن ظهور المؤمنين فانهم مازلوا وانحرفوا عن مكانهم الا مترخصين فى ذلك اذ ظنوا أنه ليس للمشركين رجعة من هزيمتهم فلا يترتب على ذهابهم وراء الغنيمة ضرر ، فكان هذا الترخص والتأويل للنهى الصريح عن التحول وترك المكان سببا لكل ما جرى من المصائب وأعظمها ما أصاب الرسول صلىاللهعليهوسلم. وهناك وجه آخر وهو أن الذين تولوا هم جميع الذين تخلوا عن القتال من الرماة وغيرهم ، كالذين انهزموا عند ما جاءهم العدو من خلفهم واستدل القائلون بهذا الوجه بما روى من أن عثمان بن عفان عوتب فى هزيمته يوم أحد فقال : ان ذلك خطأ عفا الله عنه.
أما كون الاستزلال قد كان ببعض ما كسبوا فقد قيل : ان الباء فى قوله «ببعض» على أصلها وأن الزلل الذى وقع هو عين ما كسبوا من التولى عن القتال وقيل انها للسببية أى إن بعض ما كسبوا قد كان سببا لزلتهم ولما كان السبب متقدما دائما على المسبب وجب أن يكون ذلك البعض من كسبهم متقدما على زللهم هذا ومفضيا اليه. فان كان المراد بالذين تولوا الرماة جاز أن يكون المراد
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
