علمنا أن العمل خير من تركه وأن نترك عند ما يترجح فى علمنا أن الترك خير من الفعل كما هو معلوم لكل من يعرف ما هو الانسان.
واننا نرى الكتاب العزيز يذكر بعض هذه الحقائق الثلاث فى بعض الآيات ويسكت عن الأخرى لأن المقام يقتضى ذلك ولكل مقام المقال ، ولكنه ينكر على من يجحد شيئا منها جحوده ويبين للناس خطأه وضلاله كما بين خطأ الذين قالوا (لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا) فى موضع وبين خطأ من ينكر مشيئته تعالى فى موضع آخر. فهو ينكر على من ينكر ما آتاهء الله من المواهب والقوى ويكفر له نعمة العلم والارادة والقدرة لا سيما فى مقام الاعتذار عن تقصيره فى شكر هذه القوى باستعمالها فى الخير والحق ، كما ينكر من يغفل عن كونه تعالى هو المنعم بهذه القوى التى يجلب بها الخير عند ما تبطره النعمة فينسبها لنفسه وحده وينسى ذكر ربه وشكره. وقد جمع تعالى بين الامرين فى بعض المواضع كقوله فى سورة النساء (٤ : ٧٨ أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ، قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ٧٩ ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً) وقد صرحوا بأن هذه الآيات نزلت فى قوم من المسلمين آمنوا ثم لما علموا بأنه كتب عليهم القتال ضعفوا وأنكروا وقالوا ما قالوا احتجاجا لانفسهم واعتذارا عنها فأجابهم تعالى مبينا لهم الحقيقة الأولى وهى أن كل شىء من الله من حيث إنه الخالق للقوى والواضع للسنن والمقادير ثم بين لهم الفرع الذى اقتضى المقام بيانه من فروع الحقيقة الثانية وهو أن الحسنة التى تصيب الانسان هى من عند الله بمعنى أنه خالقها وواضع السنن الطبيعية الاجتماعية التى يوصل بها اليها والخالق للقوى الكاسبة لأسبابها ، فينبغى أن يذكر عندها ليشكر عليها وأن السيئة التى تصيبه من عند نفسه بمعنى أنه الكاسب لها والمنحرف عن سنن الله وشريعته فى طريق تحصيلها ، فيجب أن يرجع على نفسه باللائمة ويردها الى التوبة كذلك الآية التى نحن بصدد تفسيرها قد جمعت بين الحقيقتين. الأولى قوله تعالى (إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) والثانية قوله (لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
