إِلَّا تَخْرُصُونَ) وقد قال قبل هذه الآية (٦ : ١٠٧ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا) وهو يشبه قوله لهذه الطائفة التى ظنت مثل ظنهم (إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) فالظاهر أن الذى أثبته فى الموضعين هو مثل الذى أنكره عليهم وسماه ظتا لا يوثق به فى هذا المقام الذى لا يقبل فيه إلا العلم اليقين. وقال فى سورة يس (٣٦ : ٤٧ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ؟ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) فقد جعل تبرؤ الناس من الكسب والعمل واعتذارهم بمشيئة الله وتفويض الأمر اليه من شأن المشركين والكفار الذين يتخبطون فى دياجى الظن ويهيمون فى أودية الضلال مع اثباته لكون الامر كله لله وحصول كل شىء بمشيئته. وقد نظر فى كل طرف من الطرفين من رآه يوافق مذهبه حتى جعل الفخر الرازى الآية التى نحن بصدد تفسيرها هى عين ما عليه الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة فى مسألة أفعال العباد وجعل الحجة فيها للأشاعرة.
وتحرير الكلام فى هذه المسألة أنه تعالى بين لنا فى كتابه ثلاث حقائق وبين لنا صلال الذين ضلوا فيها واحتجوا بواحدة على بطلان الأخرى.
(الحقيقة الأولى) أنه تعالى هو خالق كل شىء الذى بيده ملكوت كل شىء وبمشيئته يجرى كل شىء ، فلا قاهر له على شىء وهو القاهر فوق كل شىء.
(الحقيقة الثانية) ان خلقه وتدبيره انما يجرى بحسب مشيئته وحكمته على سنن مطردة ومقادير معلومة ، كما أشرنا إلى ذلك فى تفسير (١٣٧ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) وفى تفسير كثير من الآيات التى تذكر فيها المشيئة أو السنن الالهية (*).
(الحقيقة الثالثة) ان فى جملة سننه فى خلقه وقدره فى تدبير عباده أن الانسان خلق ذا علم ومشيئة وارادة وقدرة فيعمل بقدرته وارادته ما يرى بحسب ما وصل اليه علمه وشعوره أنه خير له. والآيات الناطقة بأن الانسان يعمل وبعمله تناط سعادته وشقاوته فى الدنيا والآخرة كثيرة جدا. وهو ليس فى ذلك معارضا لمشيئة الله ولا مزيلا لها ، بل مشيئته تابعة لمشيئة الله ومظهر من مظاهرها كما قال (٧٦ : ٣ ٨١ : ٢٩ وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) وقد جرت سنته بأن يشاء لنا أن نعمل عند ما يترجح فى
__________________
(*) راجع ص ٤٧١ و ٤٨٥ من ج ٢ وص ٨ و ٧١ ج ٣ من التفسير
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
