فى الخلق بأن من يتوقع فى صبيحة ليلته هو لا كبيرا ومصابا عظيما فانه يتجافى جنبه عن مضجعه ويبيت بليلة الملسوع فيصبح خاملا ضعيفا وقد كان المؤمنون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك إذ بلغهم أن جيشا بزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدا وهو أشد منهم قوة وأعظم عدة فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الارق والسهاد يضربون أخماسا لا سدادس ، ويفكرون بما سيلاقون فى غدهم من الشدة والبأس ، ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس ، غشيهم فناموا واثقين بالله تعالى مطمئنين لوعده ، وأصبحوا على همة ونشاط فى لقاء عدوهم وعدوه ، فالنعاس لم يكن يوم بدر فى وقت الحرب بل قبلها ، ومثله المطر الذى أنزل عليهم عند شدة حاجتهم إليه وقد قرن ذكره به فى الآية التى ذكرتهم بعناية الله بهم فى ذلك.
وأما النعاس يوم أحد فقد قيل إنه كان فى أثناء الحرب وقيل إنه كان بعدها وقد اتفق المفسرون وأهل السير على أن المؤمنين قد أصابهم يوم أحد شىء من الضعف والوهن لما أصابهم من الفشل والعصيان وقتل طائفة من كبارهم وشجعانهم فكانوا بعد انتهاء الواقعة قسمين فقسم منهم ذكروا ما أصابهم فعرفوا أنه كان بتقصير من بعضهم وذكروا الله ووعده بنصرهم فاستغفروا لذنوبهم ووثقوا بوعد ربهم راجع آية ١٣٥ (وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ) وعلموا انهم ان كانوا قد غلبوا فى هذه المرة فان الله سينصرهم فى غيرها حيث لا يعودون الى مثل ما وقع منهم فيها من الفشل والتنازع وعصيان قائدهم ورسولهم ، فأنزل الله عليهم النعاس أمنة أو الامنة نعاسا ، حتى يستردوا ما فقدوا من القوة بما أصابهم من القرح وما عرض لهم من الضعف ، والنوم للمصاب بمثل تلك المصائب نعمة كبيرة وعناية من الله عظيمة ، وقد كان من أثر هذا الاطمئنان فى القلوب ، والراحة للاحسام والتسليم للقضاء ، أن سهل على هؤلاء المؤمنين اقتفاء أثر المشركين بعد انصرافهم وعزموا على قتالهم فى حمراء الاسد عند ما دعاهم الرسول إلى ذلك فاستجابوا له مذعنين.
قال : واتفق الرواة أيضا على أن كثيرا منهم كانوا مثقلين بالجراح فلم يقدروا على اقتفاء أثر المشركين فذلك قوله تعالى (وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ) فهذه الطائفة من المؤمنين الضعفاء ولا حاجة إلى
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
