المعقول. وانتظر أيها القارىء قوله تعالى (أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها) الآية.
وأما قوله «أو يكبتهم» فقد فسروه بأقوال ، منها أن معناه يخزيهم ومنها ان معناه يصرعهم لوجوههم وفى الأساس : كبت الله عدوه أكبه وأهلكه. ولكن صاحب الأساس فسر الكلمة فى الكشاف بقوله «ليخزيهم ويغيظهم بالهزيمة» وقال الراغب : الكبت الرد بعنف وتذليل. وقال البيضاوى «أو يخزيهم والكبت شدة الغيظ أو وهن يقع فى القلب» وكل هذه المعانى وردت فى كتب اللغة وصرح البيضاوى بأن «او» هنا للتنويع لا للترديد. والمعنى انه يقطع طرفا وطائفة ويكبت طائفة أخرى أى ويتوب على طائفة ويعذب طائفة كما فى الآية الآتية.
(لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ) جملة (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) معترضة بين هذا التقسيم ، وما بعدها معطوف على ما قبلها. ولما كانت هذه الآية مما نزل فى وقعة أحد كما روى فى الصحيح تعين أن تكون التى قبلها كذلك وإلا كانت غير مفهومة إلا بتكلف ينزه القرآن عن مثله على كونه لا حاجة إليه.
أما كونها نزلت فى شأن وقعة أحد فيدل عليه ما ورد فى سبب نزولها. روى أحمد والبخارى والترمذى والنسائى وغيرهم من حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم يوم أحد «اللهم العن ابا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام اللهم العن سهيل بن عمرو اللهم العن صفوان بن امية» فنزلت هذه الآية فتيب عليهم كلهم. وروى البخارى عن أبى هريرة نحوه وروى أحمد ومسلم من حديث أنس أن النبى صلىاللهعليهوسلم كسرت رباعيته يوم احد وشج فى وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟» فأنزل الله (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) الآية ذكر ذلك كله السيوطى فى لباب النقول ولم يعز الأول إلى الترمذى والنسائى اكتفاء بمن هو اصح منهما رواية. وقد روى ذلك ابن جرير من عدة طرق. وما روى غير ذلك لا يعتد به. ولا تنافى بين حديث ابن عمر وحديث انس لأن الجمع بينهما ظاهر ، وهو انه قال ما قال فيهم حين ادموه ، ثم لعن رؤساءهم فنزلت الآية عقب ذلك كله.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
