لو رأى مندوحة عن قتل أبى لما قتله. وقد كان به ذلك اليوم من ألم الجراح أن عجز عن الصعود إلى صخرة اراد أن يعلوها فوضع له طلحة ظهره فقام عليه فنهض به حتى صعدها وحانت الصلاة فصلى بالناس جالسا تحت لواء الأنصار.
وقتل فى ذلك اليوم حمزة بن عبد المطلب رضى الله تعالى عنه قتله وحشى الحبشى الراصد له ، وقد عرفه وهو خائض المعمعة كالجمل الأورق يقط الرقاب ويجندل الابطال لا يقف فى وجهه أحد ، فرماه بحربته عن بعد على طريقة الحبشة وكان قد اتقنها ولو قرب منه لما نال الا حتفه. وقد شق على رسول الله صلىاللهعليهوسلم قتل عمه اذ كان ـ على قربه ـ من السابقين الى الايمان به والمانعين له ، وكان أشد أهله بأسا وأعظمهم شجاعة ، بل لو قلنا انه كان أشجع المسلمين أو العرب فى ذلك العهد لم نكن مبالغين ، فقد رى أن عمر بن الخطاب لما أقبل على النبى صلىاللهعليهوسلم يوم اسلامه خافه المسلمون إلا حمزة فانه وطن نفسه على قتله بلا مبالاه. وخلف حمزة فى بأسه وشجاعته على كرم الله وجهه.
وقد انتهت الحرب بصرف الله المشركين عما كانوا يريدون من استئصال المسلمين فان المسلمين كانوا أولا هم الغالبين بحسن تدبير الرسول صلىاللهعليهوسلم والصبر والثبات وتمحض القصد الى الدفاع عن دين الله وأهله ، فلما أخرجهم الظفر عن التزام طاعة رسولهم وقائدهم ودب إلى قلوب فريق منهم الطمع فى الغنيمة فشلوا وتنازعوا فى الأمر كما سيأتى فى تفسيره قوله (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ) وزادهم فشلا إشاعة قتل الرسول صلىاللهعليهوسلم حتى فر كثيرون إلى المدينة منهم عثمان بن عفان والوليد بن عقبة وخارجة بن زيد ؛ ولكنهم استحيوا من دخولها فرجعوا بعد ثلاث. واختلط الأمر على كثير ممن ثبت ، ولما جاءهم خالد بالفرسان من ورائهم صار يضرب بعضهم بعضا على غير هدى ، فمنهم الذين استبسلوا وأرادوا أن يموتوا على ما مات عليه الرسول صلىاللهعليهوسلم ومنهم الذين كانوا معه صلىاللهعليهوسلم يفدونه بأنفسهم ويتلقون السهام والسيوف دونه حتى كان يعز عليهم أن يروه ناظرا إلى جهة المشركين لئلا يصيبه سهم ، فكان أبو طلحة الذى تقدم ذكر نضاله عنه يقول له : يا نبى الله بأبى أنت وأمى لا تنظر يصبك سهم من سهام القوم ، نحرى دون نحرك. ولما علم سائر المسلمين ببقاء رسول الله صلىاللهعليهوسلم نفخت فيهم روح جديدة من القوة فاجتمع أمرهم حتى يئس المشركون منهم وصرفهم
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
