فأشار بيده أن اسكت. واجتع إليه المسلمون ونهضوا معه إلى الشعب الذى نزل فيه وفيهم أبو بكر وعمر وعلى والحارث بن الصمة الأنصارى وغيرهم. وأنزل الله النعاس على المسلمين أمنة ورحمة فكانوا يقاتلون ولا يشعرون بألم ولا خوف وفى صحيح مسلم أنه صلىاللهعليهوسلم افرد يوم أحد فى سبعة من الانصار ورجلين من المهاجرين الحديث ؛ وفيه أن السبعة قتلوا دونه اذ كان ينبرى للدفاع عنه واحد بعد واحد ولم يخرج القرشيان ، فقال صلىاللهعليهوسلم «ما انصفنا أصحابنا» وفى صحيح ابن حبان عن عائشة قالت قال : أبو بكر لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبى صلىاللهعليهوسلم فكنت أول من فاء اليه ، فرأيت بين يديه رجلا يقاتل فقلت : كن طلحة فداك أبى وامى «مرتين» فلم انشب ان ادركنى ابو عبيدة بن الجراح وهو يشتد كأنه طير فدفعنا إلى النبى صلىاللهعليهوسلم فاذا طلحة بين يديه صريعا فقال صلىاللهعليهوسلم «دونكم اخاكم فقد اوجب» اى وجبت له الجنة : وقد زلزل كل أحد ساعتئذ الا رسول الله صلىاللهعليهوسلم فانه لم يتحرك من مكانه.
وادرك رسول الله صلىاللهعليهوسلم ابى بن خلف وهو مقنع بالحديد على جواد له يقال له العود كان يعلفه فى مكة ويقول : اقتل عليه محمدا. وكان قد بلغ النبى صلىاللهعليهوسلم خبره فقال «بل انا اقتله إن شاء الله» فلما اقترب منه استقبله مصعب بن عمير فقتل مصعبا وجعل يقول اين هذا الذى يزعم انه نبى؟ فليبرزلى فانه ان كان نبيا قتلنى. فتناول رسول الله صلىاللهعليهوسلم الحربة من الحارث بن الصمة فطعنه بها فجاءت فى ترقوته من فرجة بين سابغة الدرع والييضة فكر الخبيث منهزما فقال له المشركون : والله ما بك من بأس. فقال : والله لو كان مابى بأهل ذى المجاز لماتوا اجمعون. ومات من ذلك الجرح فى سرف مرجعه الى مكة كذا فى سيرة ابن هشام والسيرة الحلبية ، وذكر الاول ان رسول الله صلىاللهعليهوسلم لما اخذ الحربة منه انتفض انتفاضه تطايرنا عنه تطاير الشعراء (١) عن ظهر البعير ثم طعنه طعنة تدأدأ (٢) منها عن فرسه مرارا. وفى زاد المعاد أنه مات برابغ. أقول : ولم يقتل النبى صلىاللهعليهوسلم فى حياته أحدا سواه ، لأنه على كونه كان اشجع الناس وأثبتهم فى مواقف القتال كان أرحمهم وأرأفهم ؛ ولذلك كان يكتفى بالتدبير والتثبيت والدفاع عن نفسه ولعله لو
__________________
(١) الشعراء ذباب له لدغ.
(٢) تدأدأ تقلب عن فرسه فجعل يتدحرج.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
