العمل الذى به قوام معيشته فان ترك الكسب مختارا لم يحل له أن يأخذ الصدقة. أما السبب الاضطرارى للاحصار عن الكسب فمنه ما هو طبيعى كالعجز وما هو شرعى كالعلم بتعطيل المصلحة العامة التى أحصر فيها إذا هو تركها لأجل الكسب فاذا تعين بعض الناس لذلك بأن كان غيرهم يعجز عن القيام بالمصلحة وكان جمعهم بينه وبين الكسب متعذرا وجب عليهم ترك الكسب وحبس أنفسهم فى سبيل الله وكانوا بذلك محصرين بالاضطرار الشرعى ، ووجبت نفقتهم فى بيت المال ، وإلا فعلى أغنياء الأمة. وإن لم يتعين لذلك أناس مخصوصون كان الأمر من فروض الكفاية كما هو ظاهر. ومنه الاحصار لتعلم الفنون العسكرية.
(الصفة الثانية) قوله تعالى (لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ) أى إنهم عاجزون عن الكسب. والضرب فى الأرض هو السفر لنحو التجارة وبذلك فسره المفسرون هنا. وهذا يؤيد ما قلناه آنفا من اشتراط الاضطرار فيما يحصر عنه وإن كان ما يحصر فيه اختياريا. وأن القادر على الكسب ولو بالسفر لا يحل له أن يأكل الصدقة (الصفة الثالثة) قوله (يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) أى إذا رآهم الجاهل بحقيقة حالهم يظنهم أغنياء لما هم عليه من التعفف وهو المبالغة فى التنزه عن الطمع فيما فى أيدى الناس وكل ما لا يليق كالقبيح والمحرم. وقد فسر أهل اللغة التعفف بالعفة وبالصبر والنزاهة عن الشىء وجعله المفسرون هنا للتكلف ولكن صيغة تفعل تأتى لتكلف الشىء وللمبالغة فيه والثانى أظهر هنا ، لأن من يتكلف العفة قلما يخفى حاله على رائيه. وأما المبالغ فى العفة فهو الذى لا يكاد يظهر عليه أثر الحاجة فهو المتبادر هنا ، والمقام مقام المدح والمبالغ فى الفضيلة أحق به من متكلفها.
(الصفة الرابعة) قوله تعالى (تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ) أى بعلاماتهم الخاصة بهم. قيل هى الخشوع والتواضع. وقيل هى الرثاثة فى الثياب أو الحال ونيسا بشىء. وقيل بآثار الجوع والحاجة فى الوجه. وهذا قريب والصواب أن هذه السيما لا تتعين بهيأة خاصة لاختلافها باختلاف الاشخاص والأحوال وإنما تترك إلى فراسة المؤمن الذى يتحرى بالانفاق أهل الاستحاق. فصاحب الحاجة لا يخفى على المتفرس مهما تستر وتعفف فكم من سائل يأتيك رث الثياب خاشع الطرف والصوت تعرف من سيماه
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)